مصطفى لبيب عبد الغني
31
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
يقصد بالعلم - على وجه العموم - مطلق الإدراك تصورا كان أو تصديقا يقينيا كان أو غير يقيني ، وهو بذلك مرادف للمعرفة بإطلاق . غير أننا نميّز العلم عن غيره من ضروب المعرفة غير العلمية بأنه مجموعة المعارف « المنظمة » المتصفة بالوحدة والتجريد والتعميم : وميدان العلم هو الكون كله بما فيه ومن فيه في ماضيه وحاضره ، وعندما يتم لكل ظاهرة حاضرة وماضية فحصها وتصنفيها وربطها ببقية ظواهر الكون ستكتمل رسالة العلم ومن ثم فإن مهمة العالم لا يمكن أن تبلغ غايتها ما لم يتوقف نشاط الإنسان أي ما لم تتوقف حركة التاريخ « 1 » . وقد مرت « نظرية العلم » بمراحل متعاقبة من التطور تباينت فيها وجهات النظر إلى طبيعة العلم ومنهجه وأقسامه ووظيفته وغايته ، وحكم هذا التطور أساس النظرة إلى العقل وحدوده وإلى الإنسان ومكانته في الكون . * * * وانطلاقا من اعتبار الرازي للعقل بما هو جوهر الإنسان على الأصالة وأنه الحاكم في الكون وأنه مجعول للمعرفة و « قد حبانا الله به لنبلغ من المنافع العاجلة والآجلة غاية ما في جوهر مثلنا نيله وبلوغه » « 2 » . وعلى أساس أن العقل هو أخص خصائص الإنسان وأعدل الأشياء قسمة بين أفراد نوعه امتدت رحاب النظرة إلى العلم أو المعرفة العقلية الصحيحة لتشمل الوجود بإطلاق ، والانسان سائر دوما على درب الحقيقة طالما أخلص لجوهر « الناطقية » عنده : « إذ كل من نظر واجتهد هو المحق وإن لم يبلغ الغاية » ، « 3 » والمرء « إذا اجتهد وشغل نفسه بالنظر والبحث فقد أخذ في طريق الحق » « 4 » .
--> ( 1 ) Pearson . K . the Grammar of science'' , pp . 12 - 13 . The Meridian Library , New york , 1927 . ( 2 ) الرازي : « الطب الروحاني » ص 17 - 18 ، من نشرة كراوس . ( 3 ) « المناظرات بين الرازيين » ص 296 ( من الرسائل الفلسفية نشر كراوس ) . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 303 .