مصطفى لبيب عبد الغني

27

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

واقعه أو حتى يحاول التشكيك فيها ليوقظ الناس من غفوتهم فإنه يلقى المقاومة من الرافضة الذي يستريحون إلى ما قد ألفوه ويكونون بما لديهم فرحين . وقد تكون محنة المفكر في جرأته على إلقاء السؤال على قوم لا يشغلهم التفكير في صواب ما يعتقدون ، وفي عالمه المتفرد الذي يحيا فيه مستيقظا وسط قوم نيام . ولعل الدراسة أن تكشف لنا عن حقيقة غربة الرازي بين مفكري عصره ، وهي في نهاية الأمر ، غربة رجل فكّر بنفسه ولنفسه ولم يفكر تفكير الرفاق لحساب آخر . ( عاشرا ) : ربما يجدر القول إن عظمة المفكر لا تقاس بتقديمه الحل لكل مشكلة والشرح لكل غامض وإنما الأحرى أن تقاس بمقدار ما تثيره من إشكالات تدفع غيره إلي البحث الدائب ، فالقيمة في طرح السؤال لا في الظفر بالجواب قد يكون صائبا أو قد يأتيه الباطل وتتلون صورته بتطور المعرفة . وما يمثل ركيزة التطور حقا هو أن تسرى في النسق الفكري روح المعقولية والتخلص التدريجي من الخطأ ومواصلة التطبيق للمناهج الصحيحة « 1 » . ذلك أن الحقيقة العلمية هي حقيقة يصنعها الانسان وليست كيانا أسطوريا أو غزوا من خارج . ومن المهم أن نلاحظ - مع « سارتون » - أن قسطا كبيرا من معرفتنا ووسائل التقنية لدينا قد تم تحصيله لا بطريقة منطقية صائبة ولكن بمنهج المحاولة والخطأ . وإن تاريخ الفكر في مجموعه يعلّمنا أن بعض الأخطاء لم يكن بالإمكان تجنبها ، وكان على الجنس البشرى أن يتعلم ذلك فحسب من خلال اقترافها . ومن هذه الزاوية يعدّ تاريخ الخطأ مفيدا ، إذ هو حصر لما يجب ألا نفعله . وليس هناك أكثر إثارة في التاريخ العام كله من منظر الرجل النبيل له روح النضال ضد الخطأ والجهل واللامعقول . وليس العلم مجرد فض تدريجي للحقيقة وتوسيع لرقعة

--> ( 1 ) Thorndike . L . A history of magic and Experemental science'' , vol . II , P . 978 . - وراجع مقدمة بارتلمى سانتيلير ؟ ؟ ؟ لكتاب « الطبيعة » لأرسطو بترجمة أحمد لطفى السيد ، ص 93 .