مصطفى لبيب عبد الغني

249

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

وأما المحدثون فإنهم وإن كانوا قد ذكروا من علاج الجدري أشياء على غير تحديد ولا تفصيل فليس منهم ولا واحد ذكر السبب في كونه ولم صار لا يكاد يفلت منه ولا واحد من الناس ولا وضع ضروب العلاج في مواضعها . ومن أجل ذلك أرجو أن يكون ثواب لهذا الرجل الباعث لنا على عمل هذه المقالة وثوابنا مضاعفا إذ نحن ذكرنا ما يحتاج إليه من علاجه وحددناه وفصلناه ووضعناه بمواضعه بمشيئة الله . فلنبتدئ الآن بذكر السبب الفاعل هذا الداء ولم لا يكاد يفلت منه ولا واحد من الناس ثم في ما يتلو ذلك فصلا فصلا فنقول في كل واحد منها بقدر ما نراه كافيا بعون الله . أقول إن الإنسان منذ يولد إلى أن يهرم لا يزال يزداد يبسا ومن أجل ذلك فدماء الأطفال والصبيان كثيرة الرطوبة بالقياس إلي دماء الشباب فضلا عن دماء المشايخ وهي مع ذلك كثيرة الحرارة وقد شهد بذلك جالينوس في تفسير كتاب الفصول وقال إن حرارة الصبيان أكثر كمية من حرارة الشباب وحرارة الشباب أشد كيفية ويتبين ذلك أيضا من جودة الأفعال الطبيعية وهي الهضم والنشو والنماء في الصبيان ومن أجل ذلك يشبه دماء الصبيان والأطفال العصارات التي لم يبتدى فيها الطبخ المؤدى إلى النضج التام ولم يقع فيها الحركة إلى الغليان ويشبه دماء الشباب ما قد غلى ونش من العصارات وانفشت عنه كثرة الأبخرة وفضولها كالشراب الذي قد هدى وسكن فاستحكمت قوته وأما دماء المشايخ فشبه الشراب الذي قد انفشت عنه قوته وقرب أن يبرد ويصير خلا . ويكون الجدري عند عفونة الدم وغليانه لينفش عنه فضول الأبخرة وينقلب من دم الطفولية المشبه العصارات الرطبة إلى دم الشباب المشبه الشراب النضيج . ويشبه الجدري نفسه الغليان والنشيش الحادثين في العصارات في ذلك الوقت ومن أجل ذلك لا يكاد يسلم منه الصبيان وخاصة الذكور لأنه لا بد من انقلاب الدم على هذه الحالة إلى الحالة الثانية كما أنه لا بد من انقلاب العصارات التي لها أن تنش