مصطفى لبيب عبد الغني
214
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
وكتابنا « في عذل من اشتغل بفضول الهندسة من الموسومين بالفلسفة » وكتابنا الموسوم « بشرف صناعة الكيميا » ولا سيما كتابنا الموسوم « بالطب الروحاني » ، فإنه لا غنى عنه في استتمام غرض هذه المقالة والأصول التي نبنى عليها فروع السيرة الفلسفية ونأخذها هاهنا ونقتضبها اقتضابا . وهي : أن لنا حالة بعد الموت حميدة أو ذميمة بحسب سيرتنا كانت مدة كون أنفسنا مع أجسادنا ، وأن الأمر الأفضل الذي له خلقنا وإليه أجرى بنا ليس هي إصابة اللذات الجسدانية بل اقتناء العلم واستعمال العدل اللذين بهما يكون خلاصنا عن عالمنا هذا إلى العالم الذي لا موت فيه ولا ألم ، وأن الطبيعة والهوى يدعواننا إلى إيثار اللذة الحاضرة وأما العقل فكثيرا ما يدعونا إلى ترك اللذات الحاضرة لأمور يؤثرها عليها ، وأن المالك لنا الذي منه نرجو الثواب ونخاف العقاب ناظر لنا رحيم بنا لا يريد إيلامنا ويكره لنا الجور والجهل ويحب منا العلم والعدل فإن هذا الملك يعاقب المؤلم منا ( و ) من استحق الإيلام بقدر استحقاقه ، وأنه لا ينبغي أن نحتمل ألما في جنب لذة يفضل عليها ذلك الألم في كميته وكيفيته ، وأن البارىء جل وعز قد وكل الأشياء الجزئية من حوائجنا إلينا كالحراثة والنسج وما أشبه ذلك مما به قوام العالم وقوام المعيشة . فلتكن لنا مسلمّة لنبنى عليها فنقول : إنه إذا كانت لذّات الدنيا وآلامها منقطعة بانقطاع العمر وكان لذات العالم الذي لا موت فيه دائمة غير منقطعة ولا متناهية فالمغبون من اشترى لذّة بائدة منقطعة متناهية بدائمة باقية غير منقطعة ولا متناهية . فإذا كان الأمر كذلك تبعه ووجب منه أنه لا ينبغي لنا أن نطلب لذّة لا بد في الوصول إليها من ارتكاب أمر يمنعنا من التخلصّ إلى عالم النفس أو يوجب علينا في عالمنا هذا ألما مقداره في كميته أعظم وأشدّ من اللذّة التي أثرناها ، فأما سائر ذلك من اللذات فمباحة لنا . على أن الرجل الفيلسوف قد يترك كثيرا من هذه المباحات ليمرّن نفسه على ذلك ويعوّدها فيكون ذلك عليه في الموضع الواجب أهون وأيسر كما ذكرنا في « كتاب الطب الروحاني » . لأن العادة كما ذكر القدماء طبيعة ثانية