مصطفى لبيب عبد الغني

203

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

ومما يجدر الوقوف عنده في هذه المسألة الإشارة إلى أن ابن سينا وهو الذي بلغت جفوته للرازي إلى حد احتقاره بما هو فيلسوف والتهوين من شأنه بما هو طبيب ! لم يعرض لموقف كهذا فيه إنكار للنبوة أو تشكيك فيها منسوب إلي الرازي . وإذا كان تمجيد العقل ذريعة تتخذ للتلويح بتهمة الإلحاد من بعض المتهوسين أو المغرضين والمتاجرين بالعقيدة لحساب الهوى والمصلحة العاجلة فإننا نقول إن موقف بعض الفلاسفة ومنهم ابن سينا - وقد عرف بميوله الإسماعيلية الواضحة « 1 » - وموقف كثير من علماء أصول الدين الاسلامي ويأتي في مقدمتهم أتباع المذهب الأشعري بما لهم من صولة في الدفاع عن عقيدة الإسلام : هؤلاء جميعا يذهبون في صراحة لا تحتمل التأويل إلى أن إرسال الرسل ودعوات الأنبياء شئ ممكن للقدرة الإلهية وأمر واقع ثبت حصوله ، لكنه ليس اضطراريا أو على سبيل الوجوب طالما أن الله لا يجب عليه شئ وأن الإرادة صفة زائدة على الذات الإلهية . وليس تقرير إمكان وجود ظاهرة النبوة هو نفسه تقرير وجوب وجودها « 2 » . ولم نسمع من يتهم أمثال هؤلاء بالإلحاد أو بالتشكيك في سلامة عقيدتهم على نحو ما انتهى إليه مصير الرازي في أعين الجاحدين . إن تأكيد دور العقل وفاعليته في الوصول إلى الحقيقة وإلى ما فيه نفع الإنسان العاجل والآجل لا يلزم عنه بالضرورة إنكار الوحي أو إبطال النبوة إلا على أساس افتراض خاطىء مؤداه أن متضمنات الوحي وموجبات النبوة تقريرات مناقضة للعقل أساسا ، وهو ما لم يقم عليه دليل . هذا إلى أن مناقشة ضرورة النبوة ولزومها من حيث المبدأ مناقشة عقلية لا يلزم عنه التشكيك في وجودها بالفعل . ولعل في تأكيد دور العقل دعما حقيقيا لدعوات الأنبياء استنادا إلى

--> ( 1 ) تراجع : رسالة ابن سينا : « في إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم » بتحقيق ميشال مرمورة ، دار النهار للنشر ، بيروت ، 1968 . ( 2 ) يقارن ما بقوله الشهرستاني : « وصارت الأشعرية وجماعة من أهل السنة إلى القول بجواز وجود النبوة عقلا ووقوعها في الوجود عيانا » ( نهاية الاقدام » ص 417 بتحقيق : جيوم ، لندن 1934 .