مصطفى لبيب عبد الغني

18

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

العصر الوسيط موجّها ومحكوما بمحاولة يائسة للتوفيق بين حقائق الخبرة العقلية المتجدّدة وبين بعض الأنساق المعرفية المعتبرة « أولانيا » أنساقا كاملة لا يعتورها القصور ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها . وليس هناك - فيما يرى جورج سارتون - شئ أكثر مدعاة للرثاء من مشهد تلك الجهود التي قدّر لها أن تظل عقيمة . وإذا كنا نرى هذا الآن بدرجة كافية من الوضوح ونعى بالفعل دلالته ، فلا ينبغي أن يبلغ بنا الزهو بحكمتنا مبلغه ، ذلك أن إدراك هذا الأمر - في يقينه وجلائه - هو من حقائق عصرنا الراهنة وحده وما كنا لنحرزه لولا المجادلات والمعضلات التي واجهها أسلافنا لقرون خلت . وفي تلك الأزمان لم يكن فن الملاحظة العلمية ( ودع عنك التجريب المضبوط ) قد تطور بعد ، وعلي حين بدت الحقائق العلمية القائمة على الملاحظة والخبرة - في حوزة « أصحاب التجارب » - مزعزعة الأركان فإن الأنساق الدينية كانت راسخة تماما « 1 » ولم يكن بإمكان أي قدر من الملاحظة أن ينال منها فضلا عن عدم استنادها ، بطبيعتها الخاصة ، إلى الاستنباط المنطقي حتى يكون نقضها ، فعلا أو امكانا ، أمرا مشروعا أصلا لحساب العقل الإنسانى . ولم تكن التصورات الدينية هي محور التفكير العلمي ومركز جاذبيته وحسب ، ولكنها كانت أيضا خلاصة المعرفة الإيجابية السامية والمطلقة . وإذا كان أعظم انتصار للعلم - في تطوره المتصل - هو تقرير نسبية المعرفة وصيرورتها الدائمة فمعنى ذلك أن ثقتنا في العلم - مع أنها تزداد دونما انقطاع - تظل أيضا محدودة « 2 » أبدا . ومع ذلك فإن كثرة لا يستهان بها من العلماء المحدثين لم يستوعبوا هذه الفكرة بعد ، وهم

--> ( 1 ) Sarton . G . Introduction to the history of science''vol . I . , p . 5 , Baltimore 1927 . ( 2 ) قارن في هذا ما يقوله « وولف » : " إن آخر كلمة في العلم والفلسفة ليست بحال هي الكلمة الأخيرة ، ومن المحتمل ألا تكون هناك كلمة أخيرة لتلك المجهودات العظيمة للنفس البشرية . فروح كل عصر كروح كل فرد يجب أن يحكم عليه لا ببلوغ ما أحرزه من النتائج حد الانتهاء ، بل بما لتلك النتائج من الخطر والشأن في ضوء زمانها . بل إن عدم وجود حالة الانتهاء يدع مجالا فسيحا للأجيال المقبلة لمواصلة البحث الذي لا ينقطع » . ( عرض تاريخي للفلسفة والعلم » ص 2 ، ترجمة محمد عبد الوهاب خلاف ، لجنة التأليف والترجمة والنشر . القاهرة 1944 ) .