مصطفى لبيب عبد الغني
177
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
قاتمة هي الصورة التي رسمت للموقف الديني والفلسفي عند أبي بكر الرازي . ومما يستوقف النظر حقا ما آل اليه أمره وقد عزّ له النصير وتكاثر عليه الخصوم في زمانه وبعد زمانه ؛ وهو الذي ساهم في إثراء الفكر الفلسفي والديني بقدر ما ساهم في إثراء الفكر العلمي . وغريب أن يحتل - عند مؤرخيه - مكانة بين زنادقة عصره فلا يذكر إلا موصوما بالإلحاد . وأعجب من ذلك أنه ليس بالأمر العسير أن تفنّد دعاوى المغرضين وندفع شبهات المتشككين وأن نبادر بالدفاع عن واحد من عمالقة الفكر تعرض لقسوة الحكم الجهول ، يحدونا في ذلك كله العدل والإنصاف والوعي بمخاطر التعصب المقيت فيه الافتئات على كرامة العقل وحرية الضمير . * * * والرأي في الرازي أنه ثنوى مشرك خارج على أصل التوحيد وقائل ب « القدماء الخمسة » ومنتسب إلى الصابئة عبدة الكواكب أو الثنوية المجوس « 1 » تارة ، وهو منكر للخلق والعناية والغائية مروّج للقدم والاتفاق والجبر « 2 » تارة ثانية ، وهو آخذ بضلالات البراهمة مبطل للنبوات « 3 » قادح في المعجزات منكر لأصل
--> ( 1 ) راجع مثلا : القاضي صاعد الأندلسي : « طبقات الأمم » ص 43 ، والمسعودي : « التنبيه والإشراف ص 1385 ، و « مروج الذهب » ح 2 ص 250 ، ابن القيم الجوزية « إغاثة اللهفان » مجلد 2 ص 241 ، الجويني ، أبو المعالي : « الشامل في أصول الدين » ص 118 ( طبعة القاهرة 1959 ) ، ابن تيمية : « منهاج السنة النبوية » مجلد 1 ص 97 . ( 2 ) مما يدعو للأسف عدم إمكاننا الرجوع - في هذه المسائل - إلى بعض كتب الرازي المفقودة والتي ورد ذكرها في قائمة ابن أبي أصيبعة ، مثل : « كتاب في أن للإنسان خالقا متقنا حكيما . وفيه دلائل من التشريح ومنافع الأعضاء تدل على أن خلق الله لا يمكن أن يقع بالاتفاق » . و « كتاب في أن للعالم خالقا حكيما » و « كتاب في أنه يجوز أن يكون سكون واجتماع . ولا يجوز أن يكون حركة واجتماع لم يزل » ، و « كتاب إلى علىّ بن شهيد البلخي في تثبيت المعاد ، غرضه فيه النقد على من أبطل المعاد ، ويثبت أنّ معادا » . ( 3 ) في تقديرنا أن دعاة الإسماعيلية هم الأصل في إشاعة هذه الفكرة - أساسا - وتأكيدها على مرّ الأيام . ونذكر منهم - على وجه الخصوص - أبا حاتم الرازي في كتابه « أعلام النبوة » وحميد الدين الكرماني في كتابه « الأقوال الذهبية » وناصر خسرو في كتابيه : « بستان العقول » و « زاد المسافرين » . وراجع أيضا : -