مصطفى لبيب عبد الغني
173
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
ووعى الرازي بحدود المنهج التجريبى ، وبقيمة التجربة سبيلا لا بديل عنه لإدراك حقائق العالم الطبيعي ، ومراعاته لشروط إجراء التجارب إلى حد فطن معه إلى وسائل « العزل » والضبط للمتغيرات التي تتحكم في إحداث الظواهر موضع التجريب ، وريادته للممارسة الاكلينكية حدث جلل في تاريخ الطب العالمي ، وقيام التجريب عنده على الفكر الواعي أو الحدس الصائب ؛ كل هذه الأمور حقائق مضيئة لا يخطئها المنصف عند تقويم عبقرية الرازي العلمية . وحرص الرازي البالغ على تحقيق الموضوعية العلمية ومغالبة الهوى والعجب ونبذ التعصب والتخلص من إسر الاعتياد ، وإيثار الحق - بما هو قيمة مطلقة واعتبار فاعلية النظر العقلي جوهر الماهية الانسانية ، وضرورة النقد والتمحيص والمراجعة الدائمة لنتائج المعرفة وعدم الخضوع إلا لسلطان العقل وعدم ربط صواب الفكرة بمصدرها وإن صدرت عن اجماع المعتنفين لها - كل ذلك نأخذه بكل الاعتبار ونحن ننظر إلى حقيقة المنهج الواجب اتباعه في البحث العلمي . * * * وإنّا لنرجو أن تتاح لنا أسباب العكوف على دراسة آثار الرازي « * » المخطوطة وأن نوفق ، مع غيرنا من الباحثين ، في الكشف عن آثاره المفقودة حتى ندرك في وضوح وتميز ملامح صورة مشرقة من فاعلية الحضارة الإسلامية في عصر الرازي وقدرتها الفائقة على تمثل طموحات الفكر الإنسانى بغير حدود ، وعلى إدراك
--> ( * ) ولقد كشفت وقفتنا أمام ما خلّفه الرازي عن غزارة في الانتاج الخلّاق وعن جهد مشكور في تفسير ما هو مشكل وجلاء ما هو غامض من معارف السابقين وعن محاولة جسورة لنقد التراث المعرفى السابق وحل شكوكه ، كل ذلك في مراعاة دقيقة لدستور البحث وقواعد التأليف وأدب المعالجة وسهولة العبارة والرفق بالمتعلمين . وإنه وإن يكن المؤلف - على رأى عالمنا الرياضى العظيم أبى بكر الخوارزمي - في مفتتح كتابه « الجبر والمقابلة » ( ص 15 من نشرة : على مصطفى مشرفة ومحمد مرسى أحمد ، القاهرة 1939 ، مطبوعات الجامعة المصرية ) - هو : « إما رجل سبق إلى ما لم يكن مستخرجا قبله فورثته من بعده . وإما رجل شرح مما أبقى الأولون ما كان مستغلقا فأوضح طريقه ، وسهّل مسلكه وقرّب مأخذه ، وإما رجل وجد في بعض الكتب خللا قلّم شعثه وأقام اوده ، وأحسن الظن بصاحبه غير رادّ عليه ولا مفتخر بذلك من فعل نفسه . فإن أبا بكر الرازي كان في جملة مؤلفاته هو هذا كله : المبدع والشارح والناقد .