مصطفى لبيب عبد الغني

171

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

حاولنا أن نفهم منهج الرازي وحقيقة مقاصده ، وأن ننظر في طبيعة الدعاوى التي حددت مكانته في تاريخ الفكر الإسلامي . ولقد تكشفت لنا بالفعل جوانب عبقرية متفردة نادرة المثال . ومع أن مصير أعمال الرازي مثال حي على جناية الفكر الديني المنحرف وخطر تأثيره على مسار العلم فإن ما استنقذ منها لهو كاف مع ذلك في الدلالة على عظمة الرجل ونبوغه في عديد من المجالات العلمية وقد كان ندا لعباقرة العلم ، فضلا عن مكانته الرفيعة من حيث هو فيلسوف كبير ونصير للعقلانية قلّ أن نجد له نظيرا في كل العصور . والرازي ممثل للنزعة الإنسانية في الحضارة الإسلامية ، وهو صاحب منهج عقلي تجريبى يصل به إلى غايته الممكنة ويلتزم بحدوده المشروعة ، ووعيه بحدود هذا المنهج وعناصره وتطبيقه له تطبيقا رشيدا استباق محمود نسجلّه لعالمنا الكبير . وهو على خلاف الكثيرين من دعاه المنهج في عصور الفكر المتعاقبة لا نجد عنده انفصالا بين المنهج والموضوع أو ازدواجية في الفكر ولكننا نلمس بالفعل الوحدة الحقيقية بين منهج المعرفة وموضوعها وبين النظر والعمل أو بين الفكر النظري والتدبير العملي . ولا نعدو الصواب إن قلنا إن الرازي تجسيد لمفهوم « الحكيم » على نحو ما استقرت معاني الحكمة في الأذهان . في دراستنا لمنهج البحث عرضنا لنظرية العلم وتوقفنا عند الحدود الرحبة التي رسمها الرازي للمعرفة بحيث تشمل الوجود بإطلاق وعند يقينه الكامل بإمكانية العقل البشرى في الوصول إلى المعرفة الصحيحة مع تعبيره الصريح عن ضيقه بمناهج المتكلمين الجدلية . والرازي يستوفى شروط المعرفة العلمية من الكلية والعمومية ولا يتوقف عند الجزئيات التي يبدأ منها سير العلم ويدرك الفروق الجوهرية بين طبيعة ومناهج المعرفة الصورية الضرورية والمعرفة التجريبية الاحتمالية ، ونجد عند نظرة تكاملية لطبيعة « التفسير » العلمي السليم إذ لا يقنع برد الظواهر المعقدة المتشابكة إلى « عامل » واحد . وقد ارتبطت نظرية العلم