مصطفى لبيب عبد الغني

165

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

إن جابر - في صورته الإسماعيلية ، وقد اهتم بدراسة الحوادث الطبيعية لم يخلص الوقائع من محتواها الرمزى والروحي ، وليس علم « الميزان » - عنده محاولة لتكميم الطبيعة بالمعنى الحديث وإنما يظهر لنا في ثوبه المنحول هذا - باعتباره محاولة لقياس ميل عالم الروح ، وعنايته بالرمزية العددية وبحساب الحروف ليس إلا تطبيقا لعملية « التأويل » على الطبيعة لفهم معناها الجواني « 1 » . ولعل هذا يفسر لنا عدم بذل أي جهد ملحوظ للوصول بين كيمياء جابر وكيمياء الرازي ، من بعد . ولم يعد هناك مجال للشك في اعتبار الرازي مؤسس الكيمياء بما هي علم صحيح ، مستقل بموضوعه ومنهجه عن الدراسات المختلطة التي عهدناها عند السابقين واستمرت في تراث الفكر الإسماعيلي بعد ذلك . وظلّت كتابات الرازي العلمية وبخاصة كتابيه « المدخل » و « الأسرار » المصدر الأساسي لتطور الدراسات الكيميائية اللاحقة . وكتابه « المدخل » أساس واضح لما أثبته الخوارزمي ( حوالي 980 م ) في « مفاتيح العلوم » كما يعد أصلا لكثير من الاستشهادات الواردة عند « ابن واقد » في « المفردات » والتي بقيت لنا عند ابن البيطار ( + 1248 م ) الذي نجده يذكر الرازي أربعمائة مرة « 2 » في كتابه « الجامع لمفردات الأدوية والأغذية » . أما كتاب الرازي الرئيسي وهو كتاب « الأسرار » فإنه يلقى الضوء على المعرفة الكيميائية لذلك العصر « 3 » . وفي كتابي الرازي نجد أكمل النماذج العلمية في كيمياء العصور الوسطى « 4 » ، ونجد نقلة حقيقية من السيمياء النظرية إلى الكيمياء العلمية « 5 » ؛ فهنا يقدم الرازي تقسيما منطقيا للعناصر المعروفة لديه ، والإجراءات العلمية تمثل تجارب أجراها بنفسه إلى حد أنه أحدث ثورة حينما جعل الاهتمام الأساسي للتجربة لا للتأمل

--> ( 1 ) S . H . Nasr , Islamic studies ' ' , p . 93 . ( 2 ) راجع : سامر قطاية : « مخطوطات الطب والصيدلة في المكتبات العامة بحلب » . معهد التراث العلمي العربي 1976 . ( 3 ) H . E . stapleton and al . Chemistry in Iraq , p . 318 - 319 . ( 4 ) ميللى ، ألدو : « العلم عند العرب » ص 261 . ( 5 ) Holmyard , E . J . Alchemy'' , pp . 88 - 89 , Penguin Books , 1968 .