مصطفى لبيب عبد الغني
163
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
ولقد بدأت ، مع الرازي ، مرحلة جديدة حقا في تاريخ العلم الإسلامي . وظهر إلى الوجود علم الكيمياء بمفهومه الحديث ، وذلك بعد أن رفض الرازي الأفكار الفلسفية والدينية التي ارتكزت عليها « السيمياء » وبعد أن نبذ التمييز بين الظاهر والباطن وعمليات « التأويل الروحاني » الذي هو رحلة من الخارج إلى الداخل والتفسير الرمزى للطبيعة . وإذا كان الكثيرون من الدارسين المسلمين ظلّوا لفترة طويلة يعتبرون مؤلفات من أمثال كتاب « الأسرار » وكتاب « المدخل التعليمي » أعمالا سيميائية فذاك راجع إلى أن هذه الكتابات قد احتفظت إلى حد ما باللغة السيميائية ، مع أنها كانت كتابات كيميائية على الأصالة ، وإلى أن المشتغلين بهذا العلم من بعد لم يكن لديهم خبرة كافية بالمعادن وتصور واقعي يخلو من مفهومها القدسي المتوارث « 1 » . وليس من العسير إذا ، أن نفسّر الميل العام عند الرازي لنبذ هذه التفسيرات المجازية والباطنية لظواهر الطبيعة التي ارتكز عليها التراث الإسماعيلي ؛ فنحن هنا بإزاء نمطين متمايزين لتصور العالم ، وهذا التمايز يكشف عن الأساس الذي قامت عليه فلسفة الطبيعة - أو بتعبير أدق - ذلك العلم الذي عرف بأنه علم « الخواص » . إن الرازي وقد تمثل الروح العلمية على أفضل الوجوه الممكنة يحصر نفسه في حدود ما يظهر من علاقات بين وقائع يمكن ملاحظتها والسيطرة عليها ويتجاوز بذلك نمط التفكير الذي يبدأ بالخواص المادية ثم يرتقى منها إلى المعنويات ويجمع بين المتناقضات ويسقط التصورات الدينية على الأفكار العلمية : من قبيل تسمية « حجر الإكسير » الإمام ! ويبعد الرازي عن الإسراف والشطط وعدم الوقوف بأية فكرة عند حدها المعقول والخلط بين ما هو مادي وما هو روحي والتعبير عن ذلك بلغة الجسد والروح معا « 2 » .
--> ( 1 ) راجع مثلا : Sayyed Houssein Nasr , Islamic Studies'' , pp . 90 - 95 , 200 , Libraier Du Liban , Beirut , 1967 . ( 2 ) حسين ، محمد كامل : « متنوعات » ح 1 ص 142 - 143 ، الطبعة الثانية ، القاهرة .