مصطفى لبيب عبد الغني
154
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
القيمة التي يعد « الحاوي » في طليعتها . وللرازي أن يفخر بحق بأن كتابه هذا غير مسبوق إليه . فهذه الموسوعة النادرة من بين المؤلفات الطبية السابقة هي الأقرب إلى تفكير المحدثين ، وقد كانت فتحا جديدا في تاريخ الطب . وحقا كان الرازي ، باعتراف أهل الثقة جميعا ، من حيث هو ملاحظ اكلينيكى بارع يتفوق على منافسيه . « 1 » ولقد حفل الحاوي بكثير من التجارب الاكلينيكية التي أجراها في المارستان وكثير من هذه التجارب أجراها الرازي على نحو لا يختلف كثيرا عما هو معروف لدينا بعد ثمانمائة عام . وكثير من هذه الحالات حرصت على تسجيلها أيضا الكتب اللاحقة ، وبخاصة ما اهتم منها بتسجيل نوادر المرضى وحالات العلاج الشهيرة « 2 » . كان الرازي في علاجه لمرضاه يبدأ ببحث شكواهم بحثا دقيقا ثم يعرض حالتهم على معارفه السابقة ويتابع سير المرض ونضجه متابعة دقيقة ثم يسجل نتائج الحالة وهو - في ذلك - كله آية على الثقة بخبرته وعلى وضوح العرض واستقامة التفكير وصحة الاستنتاج والقدرة على إبراز العلامات والتشخيص ، وهو برهان على تحول التقليد الطبى بأسره من الاهتمام « بالكليات » في المقام الأول - إلى الاهتمام بالخبرة الاكلينيكية في العلاج وتأويل الكليات لتتطابق مع الخبرة . وكتاب الحاوي يمثل أرقى ما وصل إليه التفكير العلمي الاغريقى العربي من أبقراط إلى جالينوس ثم الرازي وانتهاء بابن سينا . ولا نزاع في أن القانون من الناحية العقلية أرقى تفكيرا وأقوى حجة وأحسن تبويبا وأمتع للعقل المنطقي من كتاب الحاوي ولكنه كذلك من غير شك أقل فائدة للأطباء المعالجين إذ هو
--> ( 1 ) Ibid , p . 50 . ( 2 ) راجع مثلا : نظامى عروضى السمرقندي : « جهاز مقاله » - المقالات الأربع ، في الكتابة والشعر والنجوم والطب ، وعليه خلاصة حواشي العلامة محمد بن عبد الوهاب القزويني ، المقالة الرابعة ، ترجمة عبد الوهاب عزام ويحيى الخشاب ، القاهرة لجنة التأليف والترجمة - والنشر ، 1368 5 / 1949 م . وأيضا كتاب : التنوخي ، أبو علي : « الفرج بعد الشدة » ، القاهرة 1955 . وأساس هذه الحالات ما وردت عند الرازي « في الحاوي ح 16 ص 184 - 208 ) .