مصطفى لبيب عبد الغني

141

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

والرازي يدعونا دعوة صريحة قوية إلى نبذ العجب حين نستصوب الفكرة لصلتها بنا ، وحين نحكم على الرأي حكما ذاتيا وشخصيا يتفق مع ميولنا ورغباتنا . وهو يدرك تمام الإدراك أنه « من أجل محبة كل انسان لنفسه يكون استحسانه للحسن منها فوق حقه واستقباحه القبيح منها دون حقه ، ويكون استقباحه للقبيح واستحسانه للحسن من غيره - وإن كان بريّا من حبه وبغضه - بمقدار حقه ، لأن عقله حينئذ صاف لا يشوبه ولا يجاذبه الهوى » « 1 » . والرازي يميز بين الرأي الهوائي والرأي العقلي ، والفصل بينهما يتبين في أن « الرأي الهوائي يجتبى ويؤثر ويتبع ويتمسك به لا بحجة بيّنة ولا بعذر واضح وإنما يكون عن ضرب من الميل إلى ذلك الرأي والموافقة والحب له في النفس وأما الرأي العقلي فإنه يجتبى « بحجة بيّنة وعذر واضح وإن كانت النفس كارهة له منحرفة عنه » « 2 » . ومن ثمّ وجب علينا - في رأى الرازي - الاستقصاء لتلمس الحجة واتهام الرأي دائما فيما نظنه صوابا أو نستريح إليه ونألفه ، طالما أن حكم العقل بيّن وحكم الهوى بيّن وأن العقل يرى صاحبه أبدا ما له ويعمى عما عليه ؛ وفي ذلك يقول : « ينبغي للعاقل أن يتهم رأيه أبدا في الأشياء التي هي له لا عليه ويظن به أنه هوى لا عقل ويستقصى النظر فيه قبل إمضائه . والعقل يرى ما يرى بحجة وعذر واضح ، وأما الهوى فإنه إنما يقنع ويرى بالميل والموافقة لا بحجة يمكن أن ينطق بها ويعبّر عنها . وربما تعلق بشئ من ذلك إذا أخذ يتشبّه بالعقل ، غير أنه حجاج ملجلج منقطع وعذر غير بيّن ولا واضح » « 3 » . ولقد طبع هذا المنحى العام منهج البحث عند الرازي بطابعه فكان مثالا يحتذى في شجاعة الرأي وفي شجاعة العمل . وهو لا يستهين بمدى ما يلزم لذلك من نضج وعزيمة ومن مغالبة للتظاهر والغرور واستجلاب المحمدة ؛ ونصيحته

--> ( 1 ) المصدر السابق : نفس الموضع . ( 2 ) المصدر السابق : ص 94 . ( 3 ) المصدر السابق : ص 89 .