مصطفى لبيب عبد الغني
129
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
وكذا حال ابن دليل لم يحتقن بل كان قد عرج من وركه فشرب شحم الحنظل كثيرا وبرأ . 32 - أبو عمرو بن وهب حم وظهر به يرقان غليظ جدا حتى كانت عينه قطعة عصفر في اليوم الخامس ، واحتبس بوله في التاسع فكان لا يبول إلا شيئا نزرا مقدار ثلاث قطرات كأنه ما في جوف المرارة . واختلف اختلاف السوداء أسود ، وكان بوله في السادس أسود ثم صار أحمر عليه زبد أصفر . . . فلما كان في الليلة الحادية عشر رعف من المنخر الأيمن رعافا صعبا ، ثم مات في ليلة الثالث عشر . ولم يزل صحيح العقل ثابتا . وهاج به فواق وزكام وكان ورم كبده ظاهرا . 33 - أحسّ ابن نصير كأن نصف بدنه حارا بالطول ونصف بدنه الآخر باردا كالثلج ، ولا نبض له في النصف البارد . وله نبض سريع في الثاني . وقد تشنجت أوتار عنقه . وماؤه أبيض كالماء الجاري ، وعينه التي في الجانب البارد قد صغرت وتقلصت جدا جدا . * * * وبعد ، فهذا بعض من كل يتضح معه كيف أن الرازي قد انتقل بعلم الطب في عصره من كونه معتبرا علما مكتملا بذاته قائما على كليات محدودة يمكن بلوغ الغاية فيه إلى نمط آخر من العلوم يقوم على مشاهدات وتجارب لا نهاية لها ولا يمكن بالطبع أن يستوعبها عقل رجل واحد بالغا ما بلغ من العبقرية وعلو الهمة . ولقد تحدّد مع الرازي بما لا يدع مجالا للشك أن غاية الطب لا تقف عند حد إتقان أصوله ، ولا عند حد المعرفة النظرية بمختلف العلل وأعراضها ووسائل علاجها في مرحلة ما من مراحل التطور ، بل أصبح مستقبل هذا العلم مرهونا بتقدم أساليب التشخيص والعلاج في البيمارستانات وتطويع هذه الأساليب وفق