مصطفى لبيب عبد الغني

112

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

موروثة بكليات الطب . ولقد كانت تفرقة الرازي بين الجدري والحصبة فتحا في عالم الطب اشتهر به الرازي بين معاصريه وبعد ذلك . ومع أنه يكشف في مقدمة هذا الكتاب الثمين عن إحاطة موسوعية بتاريخ المعرفة السابقة بهذا المرض فإن ما يسجله الرازي جديد تماما ويخصه هو . ومما له دلالة في تقويم أصالة نهج الرازي ما يذكره في الفصل الأول إنصافا لجالينوس واستدراكا عليه وإضافة محمودة يحفظها له تاريخ الطب العلاجى . يقول الرازي : « إن من قال من الأطباء إن الفاضل جالينوس لم يذكر الجدري ولم يعرفه البتة فإنه لم يقرأ كتب جالينوس أو ممن مرّ عليها صفحا « 1 » . . . وأما من قال إنه لم يذكر له علاجا خاصا ولا كافيا ولا سببا مقنعا فقد صدق ، وذلك ( أنه ) لم يذكر فيه إلا هذا الذي ذكرناه اللهم إلا أن يكون قد ذكر ذلك في كتبه التي لم تخرج إلى اللسان العربي ؛ على أنى قد أطلت واستقصيت سؤال أهل اللغة السريانية واليونانية عن ذلك فلم يكن منهم ولا واحد زادنى على ما ذكرت عنه بل أكثرهم لم يعرف ما ذكرته فضلا عن أن يزيد عليه ، وإني لمتعجب من ذلك وكيف تجاوز جالينوس هذا المرض مع كثرة حدوثه وشدة الحاجة إلى علاجه وحرصه على ذكر أسباب الأمراض وعلاجها . وأما المحدثون فإنهم وإن كانوا قد ذكروا من علاج الجدري أشياء على غير تحديد ولا تفصيل فليس منهم ولا واحد ذكر السبب في كونه ولم صار لا يكاد يفلت منه ولا واحد من الناس ولا وضع ضروب العلاج في مواضعها ومن أجل ذلك أرجو أن يكون ثواب لهذا الرجل الباعث لنا على هذه المقالة وثوابنا مضاعفا إذ نحن ذكرنا ما يحتاج إليه من علاجه وحددناه وفصلناه ووضعناه بمواضعه بمشيئة الله » « 2 » .

--> ( 1 ) يذكر الرازي في هذا الموضع من كتابه أن جالينوس تحدث عن الجدري في المقالة الثانية من « قاطاجانس » ، وفي المقالة الرابعة عشرة من « النبض » وفي التاسعة من « منافع الأعضاء » ، وفي الرابعة من كتاب « طيماوس » . ( 2 ) الرازي : « الجدري والحصبة » ، ص 3 - 4 .