مصطفى لبيب عبد الغني

101

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

إن الرازي ينبّه بقوة إلى ضرورة المران العملي للطبيب في البيمارستان وإلى ضرورة ملازمة المرضى لاكتساب الخبرة الاكلينيكية التي تضمن نجاح عمل الطبيب : وتكشف المقالة « الرابعة » من كتاب المنصوري « عن مهارة الرازي العالية في التشخيص والاستدلال بالعلامات وفي القدرة على الإنذار بالحوادث الرديئة وتلاحقها قبل أن تقوى وتعظم » « 1 » ، وعن رأيه الحاسم في أنه ينبغي لامتحان الطبيب أن « ينظر هل شاهد المرضى وقلّبهم ، وهل كان ذلك منه في المواضع المشهورة بكثرة الأطباء والمرضى أم لا ؟ » « 2 » . وفي الدلالة على المنحى التجريبى ما يثبته الرازي في كتابه : « محنة الطبيب » من أنه « ينبغي للمعنى بأمر الطب أن يجمع رجلين أحدهما فاضل في المعنى العلمي من الطب والآخر كثير الدربة والتجربة ، ويصدر عن اجتماعهما في أكثر الأمر . فإن اختلفا في شئ فليعرض ما اختلفا فيه على كثير من أصحاب التجارب . فإن أجمعوا جميعا على مخالفة صاحب النظر قبل منهم ، فإن الشكوك المغلطة تقع على الأكثر في الفن العلمي النظري ، أكثر منه في التجربة . فإن لم يتهيأ له إلا أحد هذين الرجلين ، فليختر المجرّب ، فإنه أكثر نفعا في صناعة الطب من العاري عن الخدمة والتجربة البتة » « 3 » . وعلى هذا

--> - والرازي ، بعد أن يشير إلى تقسيم الأمراض وأسبابها وأعراضها على ما فعل الفاضل جالينوس في كتابه الموسوم ب « العلل والأعراض » يقول : « إن جالينوس يقسم سوء المزاج إلى أصنافه الثمان ، ويستخرج أسباب كل واحد منها ، ويقسم أصناف تغيّر الشكل ويستخرج أسباب كل واحد فيها ، ونحن نرشد في ذلك إلى كتابنا المسّمى « جوامع العلل والأعراض » وإلى تقاسيم « كتاب العلل والأعراض » ، فإنه أخصّ وأحصر ، وأشرح من كتاب جالينوس نفسه » ( المرشد ص 66 ) . ( 1 ) الرازي : « المنصوري » ص 210 - 214 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 235 . ويظهر كثرة عدد المرضى الذين كان الرازي يعالجهم بالفعل في أوقات متعاقبة مما يورده في كتاب « الحاوي » إذ يقول : « إني قد رأيت في صيفة أكثر من أربعمائة مريض مرضا حادا ، أتاهم البحران في السابع وفي صيفة أخرى في الرابع عشر ، ورأيت خريفا كان يجئ البحران فيه أبدا في الحادي عشر ، وخريف أخر كان يجئ فيه بحران ردئ في السادس » . ( 3 ) الرازي : كتاب محنة الطبيب » ص 511 ( بتحقيق : إسكندر ، أ . ز ) . ويقارن بما يقوله الزهراوى في خاتمة المقالة الأولى من كتاب التصريف : « أبلغ من المعرفة أو العلم لزوم الطبيب للعليل وملاحظة أحواله » .