محمد كمال شحادة

218

تاريخ التعليم الطبي في البلاد العربية

من بعد تفرقها ، يقوي العقل ويثقفه أكثر مما يمكن للمعارف كلها أن تقويه وتثقفه بدون أن تكون عللها معروفة . إني أريتكم الفرق واضحا بين المعرفة والعلم لأحثكم على الإكثار من إحراز المعارف ، وعليّ الآن أن أمكن في أذهانكم الفرق بين العلم والحكمة لتعرفوا معرفة واضحة أن العلم له حدود لا يتجاوزها بل يحتاج إلى أشياء أخرى خارجة عن حدوده وأعلى منه ، تحوّله مما هو عليه إلى غير مما هو عليه ، وتبث فيه الحياة بعد خلوه من الحياة ، كما يحول العلم نفسه المعارف إلى غير ما تكون عليه ، ويحييها بعد موتها بكشف عللها ووضعها في موضعها الصحيح . فاعلموا أن العلم ليس الحكمة ، لأن الإنسان قد يقسم كل ما عنده من المشاهدات ويكشف نواميسها وعللها ولا يكون حكيما . والعلم محدود يرتقي فيه الإنسان إلى الذرى السامية ولكنه لا يزال يجد فوقه ذرى أسمى من التي ارتقى إليها . فبالعلم يستطيع الإنسان أن يعرف شيئا عن وجود اللّه - علة كل العلل - ولكنه يقصر عن إدراك من هو اللّه وما هو اللّه ، بالعلم يستطيع الإنسان أن يعرف شيئا عن نفسه وعن الطرق التي نشأ بها وترقى ، ولكنه لا يستطيع أن يعرف أصل ما يجعل الإنسان إنسانا ، ولا أصل الميل الشديد الذي في نفسه لمعرفة الحال التي يصير إليها . فلا منظار فلكي يرينا اللّه ولا منظار مكبر يرينا نفس الإنسان ولا كيمياء تكشف لنا سر الحياة ولا سر الإنسان . أما الإنسان فلا يمكن أن يقتصر على ما يعلمه إياه العلم ، بل إذا التفت إلى السماء وشاهد النجوم الزهر تلمع فوقه ، قال ترى ما وراء هذه النجوم . وإذا كشف له المنظار وراء النجوم نجوما لا تحصى قال ما وراء هذه النجوم . فهذه المسألة وأمثالها لا يستطيع العلم أن يعطي عنها جوابا ؛ ولذلك لا يمكن للإنسان أن يكتفي بالعلم وحده ويستغني عما فوقه . أما الحكمة فمن أين توجد وأين هو مكان الفهم . القمر يقول ليست هي فيّ ، والبحر