محمد كمال شحادة

216

تاريخ التعليم الطبي في البلاد العربية

على ما يجب أن تفعله من رد الحادثة المفردة التي تعثر عليها إلى أصلها وبيان سببها فتزيد الحقيقة ظهورا وجلاء . لا يخفى أن الخيل والبقر والغنم تصاب بمرض قتال يهلكها أحيانا في أربع وعشرين ساعة ، وأحيانا يذيقها أمرّ العذاب زمانا طويلا وينتقل منها إلى البشر فيفتك بهم أيضا وقد أحصوا أنه مات به في مقاطعة واحدة بروسيا ستة وخمسون ألف رأس خيل وبقر وغنم ، وخمسمائة وثمانية وعشرون إنسانا في ثلاث سنوات وأنه يموت به في فرنسا ما قيمته خمسون ألف ألف فرنك في السنة من الماشية ونحوها . فهذا بعض ما يعرف عنه ، ولما كان من شأن العلم البحث عن أسباب الأمور ، تحرى العلم معرفة سبب هذا المرض فوجد منذ سنين أن دم الحيوانات التي يصيبها هذا المرض تحتوي نبتا صغيرا جدا لا يشاهد إلا بالنظارة المكبرة ، وأنه إذا أدخلت نقطة صغيرة من السائل الذي يتضمن جراثيم هذا النبت إلى جسم فرس أو بقرة ، يحدث هذا المرض فيها . فكان ذلك أول خطوة خطاها العلم لمعرفة سبب هذا المرض . ثم فشا هذا المرض في فرنسا في غنم ترعى في خيار المراعي فقام موسيو باستور العالم الفرنساوي الشهير وتحقق في البقاع التي فشا فيها المرض وأخذ يستعلم عما حدث برمم الغنم التي كانت تموت به منذ سنين عديدة فوجد أنها كانت تدفن في تلك البقاع على عمق عشرة أقدام أو اثني عشر قدما لكيلا يمتد منها المرض إلى غيرها ، فظهر للكل أن الذين دفنوا المواشي الميتة اتخذوا الاحتياطات التامة لمنع ضررها بتعميق مدافنها وظنوا أن الجراثيم التي قتلتها لا يمكن أن تكون قد صعدت من تلك المدافن إلى وجه الأرض بعد سنين هذا عددها ، وإن المرض لا يمكن أن يكون فشا منها . وأما باستور فقال إن هذه الجراثيم هي سبب المرض ، ودودة الأرض تقذفها من الأعماق التي كانت عليها إلى وجه الأرض بعد سنين هذا عددها ، وأن المرض الذي هناك أخرج ما في قناته الهضمية وأدخله في دم المواشي فماتت بهذا المرض بعد قليل