محمد كمال شحادة
213
تاريخ التعليم الطبي في البلاد العربية
وبناء على هذه المشاهدات وأمثالها ، قال السير تشارلز ليل إن نواميس الكون تجري دائما على وتيرة واحدة . فكما أن الماء يجرف اليوم التراب ويحمله إلى السهول أو قعور البحار ، هكذا كان يجرفه ويحمله على الدوام ، وكما أن الحرارة تفعل اليوم فهكذا كانت تفعل على الدوام . أي أن الأسباب الواحدة تكون مسبباتها واحدة ما دامت أحوالها وظروفها واحدة . فهذا هو الأساس الذي وضعه ليل وهو يرد المعلومات إلى عللها ولذلك صارت الجيولوجيا اليوم علما كسائر العلوم . غير أن هذا الأساس الذي وضعه ليل لم يصل الناس إلى حسبانه أولية من الأوليات إلا بعد أن أفرغوا جهدهم في مقاومته ومحاولة نقضه وإبطاله ، ذلك لأن عقولهم كانت مشتغلة بآراء سقيمة عقيمة من أشهرها اعتقادهم أن الأرض لم توجد إلا منذ بضعة ألوف من السنين وأنها كانت تضطرب بعد ذلك اضطرابات عظيمة فتهلك كل ما عليها ثم تسكن فيخلق عليها مخلوقات جديدة وهكذا حتى صارت على ما هي عليه في زمان قصير بالنسبة إلى الزمان الصحيح . وقالوا إن الأسباب التي سببت ذلك لا نعلمها ولكننا نعلم أنها ليست كالأسباب الفاعلة في أيامنا هذه . ولكن لما أضاء نور الحق ، وارتفعت حرارته انكشف فساد تلك الآراء فانتقضت . وقام رأي ليل وشاع سريعا حتى شاهد ليل قبل موته قبول رأيه وإجماع علماء الجيولوجيا على صحته . فثبت أن الأرض لم تخلق على ما هي عليه دفعة واحدة ولا بلغت حالها الحاضرة العجيبة الموافقة المناسبة للإنسان وسائر المخلوقات التي عليها ، باضطرابها وتزعزع أركانها ثم همودها وسكونها ، بل إنها بلغت ما بلغت تدريجيا بحسب النواميس البديعة البسيطة التي لا نزال نشاهد أفعالها إلى يومنا هذا ولن نزال ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء . فالإنسان الآن يستطيع أن يتجاوز المنظور إلى غير المنظور