يوسف زيدان

96

إعادة اكتشاف ابن نفيس

الملاحظة يبدأ العلم التجريبى ، وبالملاحظة تتأكّد قوانينه . . وفي كتابات علاء الدين ( ابن النفيس ) ما لا حصر له من وقائع منتقلة من مجال الخبرة اليومية والمشاهدات العادية ، إلى مجال الرؤية العلمية والرصد المنهجي . . فعلى سبيل المثال ، نراه حين يتناول في شرحه على تقدمة المعرفة عمليات التفسرة - وهي الاستدلال بالبول على حالة الجسم - يشير إلى نقطة دقيقة ، هي أن الطبيب قد ينخدع بعدم رسوب بعض الشحوم في قارورة البول ، فيظن أنها شحوم جيدة ، غير منتبه إلى أن كثافة البول قد تكون عالية ، بحيث تمنع الرسوب . ولبيان الأمر ، يورد علاء الدين ( ابن النفيس ) مثالا من مشاهداته ؛ يقول : لفرط غلظ المائية ولزوجتها ، حتى لا تقوى تلك الأجسام على خرقها ، كما لا ترسب السفن في البحيرة المنتنة التي بغور الشام . . « 1 » وهي نفس الملاحظة التي سيعود علاء الدين لإيرادها في الشامل حيث يخصص فصلا بعنوان ( في الرسوب مطلقا ) يقول فيه : وأما طفو الأجسام لأمر في الذي يطفى فيه ، فكما تطفو الأجسام الأرضية في الرطوبات الغليظة ، لعجزها عن خرقها ، كما يطفو البيض في البحيرة التي بغور الشام « 2 » . وهو يشير هنا ، إلى مشاهداته في البحر الميت الذي مرّ عليه في طريق رحلته من الشام إلى مصر . وعندما يشرح العلاء ( ابن النفيس ) الحالة التي وصفها أبقراط في إبيذيميا عن تلك المرأة التي ولدت طفلا كله لحمىّ ، يسجّل في سياق شرحه ، أن : نظام الدين أخو مؤيد الدين بن القلانسي ، لم تلد زوجته سوى ولدين ذكرين ، لا عظم لواحد منهما ، وحركتهما كحركة المفلوج إذ بدأت أعضاؤه تتحرّك ، وهما إلى الآن يعيشان مستلقيين ، لعجزهما عن الجلوس ؛ ولا كلام لهما . . « 3 » . وعندما يشرح الحالة الأبقراطية الخاصة بتلك المرأة التي كانت ترضع وخرجت لها بثور في ثديها كله عندما قطعت الرضاع ، ثم برئت في الصيف . يرجّح العلاء ( ابن النفيس ) أن تلك المرأة كان ببدنها مواد حادة كثيرة ، ثم يقول : وتحلّل ما كان

--> ( 1 ) علاء الدين ( ابن النفيس ) : شرح تقدمة المعرفة ، ورقة 60 ب . ( 2 ) علاء الدين ( ابن النفيس ) : الشامل في الصناعة الطبية ( مخطوطة كامبردج رقم 1546 ) ورقة 122 أ . ( 3 ) علاء الدين ( ابن النفيس : شرح إبيذيميا ، ورقة 61 أ .