يوسف زيدان
87
إعادة اكتشاف ابن نفيس
فيكون فعل المحلّل في الزمان الثاني ، فعلا في مادة أقل ، فيكون فعله أقوى . . فإن المنفعل كلما قلّ ، قوى تأثير الفاعل فيه . وإنما قلنا إن إيراد الغذاء ، لا يقوى لأن القوى الجسمانية ، إن سلّمنا أنها لا تضعف بطول الزمان ، فهي لا محالة لا تقوى . وإذا لم تزدد قوة ، لا يزداد فعلها في الغذاء . . وليس يمكن هاهنا أن يقال إن الفاعل يدوم ، فيقوى تأثيره ! لأن فعل القوة الغاذية ، لا يدوم في غذاء واحد ؛ والفاعل إنما يلزم أن يقوى فعله بالدوام ، إذا كان المنفعل واحدا . وإنما قلنا إن الجفاف يلزمه الموت لأن الحياة إنما تكون بالحرارة الغريزية ، والحرارة الغريزية إنما تكون برطوبة غريزية ، فإذا حصل الجفاف ، عدمت الرطوبة ، فانطفأت « 1 » الحرارة الغريزية ، إذ تلك الرطوبة لها ، كالدّهن للسراج « 2 » ، ويلزم ذلك تولّد الرطوبات الغريبة ، التي هي كالماء للسراج ، فتعين على إطفاء الحرارة الغريزية من وجهين . . أحدهما بالخنق والغمر ، وثانيهما بالمضادة في الكيفية . لأن تلك الرطوبات ، تكون باردة بلغمية . الحجّة الرابعة : لو بقيت أشخاص الناس بلا نهاية ، لكان القوم الذين سبقونا بالوجود ، قد أفنوا المادة التي منها التكوّن ، فلم يكن لنا مادة يمكن أن نوجد منها ! ولو بقيت لنا مادة ، لم يبق لنا مكان ولا رزق ، فكنّا نبقى ، نحن والذين بعدنا ، على العدم دائما ، ويبقى الأوّلون على الوجود دائما ؛ ولا شك أن ذلك مناف للحكمة . . فوجب أن يموت السابق بالوجود ، فيكون لوجود المتأخّر إمكان « 3 » . الحجّة الخامسة « 4 » : لو لم يكن الموت واجبا ، لجاز أن يبقى الظالم المتحكّم في الدنيا دائما ، فيدوم شرّه وإفساده . . وذلك ، لا محالة ، مؤدّ إلى الفساد والخروج عن مقتضى الحكمة .
--> ( 1 ) في النسختين : فانطفت . ( 2 ) ج : لها دهن كالسراج . ( 3 ) ج : مكان . ( 4 ) في الحجج الثلاثة التالية ، سوف يستخدم ابن النفيس برهان الخلف ، الذي يقوم على إثبات القضية بإثبات استحالة نقيضها .