يوسف زيدان

59

إعادة اكتشاف ابن نفيس

وهذا ولدى محمد في زمن طفولته ، ارتضع من والدته عقيب أكلها بصلة ، لعلها لم تكن بعد استقرت في معدتها ، فترك الثدي في الحال واستكرهه . . فعلمت أنه أدرك منها رائحة البصل « 1 » . ومن هنا نفهم ، لما ذا اهتم ابن النفيس اهتماما خاصّا بالأطفال ، فوضع رسالة في أوجاع الأطفال وكتب رسالة في مواليد الثلاثة ، وإن كان كلاهما من أعماله المفقودة . . ومن هنا نقول : إن كلام ابن فضل الله العمرى ، وغيره من قدامي المؤرّخين ، ربما كان يصدق على علاء الدين ( ابن النفيس ) ساعة وفاته ، بعد بلوغه الثمانين من عمره ، ووفاة زوجته . . أو زوجاته ! ولا يعنى بحال ، أن الرجل عاش حياته أعزب . وكيف تجوز له العزوبة ، وهو الفقيه الذي علم من الخبر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : إن سنّتنا النكاح ، شراركم عزّابكم ، أراذل موتاكم عزّابكم « 2 » . . وإذا كان الرجل قد رفض تناول الخمر - في علّة موته - للعلاج ، كيلا يلقى الله وفي باطنه شئ من الخمر ! فكيف يظل أعزب ، وقد علم من الحديث الشريف أنه : ما في الجنة أعزب « 3 » . . وإذا كان العلاء ( ابن النفيس ) لم يعرف النساء وأحوالهن ، ولم تدم عشرته معهن طويلا ، فمن أين أتى بوصفه الدقيق لهن . . حين قال : والنساء أرقّ ، وأبكى ، وأحسد ، وأغضب ، وأذكر لمحقرات الأمور ، وأقوم بالتعهّد ، وأكسل ، وأقل حماية ، وألحّ ، وأجزع ، وأوقح ، وأكذب ، وأمكر ، وأرخى . . والجواري من النساء يكنّ صفر الوجوه ، لقلة حركتهن ، لاختفائهن « 4 » . وإذا أمعنّا النظر في عبارة العلّامة علاء الدين ، التي ذكر فيها ولده محمد ؛ يظهر لنا أن العبارة قيلت بعد ما شبّ ابنه عن سنّ الطفولة ، وهو ما يبدو بوضوح في

--> ( 1 ) ابن النفيس : شرح كليات القانون ( مخطوطة برلين رقم 6273 ) ورقة 10 أ ( مخطوطة الجامع الكبير بصنعاء رقم 5 / طب ) ورقة 13 ب . انظر المخطوطتين ، ضمن النماذج الخطية التي أوردناها في ملحق الكتاب . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند 5 / 163 . ( 3 ) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، كتاب الجنة / 14 والدارمي في الرقاق / 108 والإمام أحمد بن حنبل في المسند 2 / 230 ، 237 ، 507 . ( 4 ) علاء الدين ( ابن النفيس ) : رسالة الأعضاء ، بتحقيقنا ، ص 166 .