يوسف زيدان

57

إعادة اكتشاف ابن نفيس

العمل كطبيب ، حتى أصيب بتلك المرضة التي عانى منها ، ثم شفى ؛ وذلك بعد وفاة الدّخوار بعام . . ولكن : المتصفّح لمؤلفات علاء الدين ( ابن النفيس ) يراه كثير الإشارة إلى سابقيه من الأطباء ، وهو يسند لهم الآراء ، ويناقش دوما أقوالهم . . وهو أيضا يذكر معاصريه ، ويذكر العديد من وقائع حياته ومشاهداته بالشام ومصر . ومع ذلك ، لم يرد ذكر الدّخوار مرة واحدة في مؤلفات العلّامة علاء الدين . . ولو بإشارة عابرة ! فكيف كانت معرفته به وتلمذته عليه ؟ والأعجب في الأمر ، أن علاء الدين شرح كتاب تقدمة المعرفة لأبقراط ، وهو الكتاب الذي سبق للدّخوار أن شرحه ، غير أنه في طول الكتاب وعرضه ، لم يعرض ولو مرة واحدة ، لرأى واحد قاله الدّخوار في هذا النص الأبقراطى . . وهذا على عكس ما فعله مع جالينوس الذي شرح أيضا تقدمة المعرفة ، فكان كثيرا ما يتوقف عند آراء جالينوس الشارحة ، ناقدا ومحلّلا . ونحن نعرف أن علاء الدين القرشي ( ابن النفيس ) كان يغضّ من شأن جالينوس ، بل هو أمر مشهور عنه ، وذكره المؤرّخون من أمثال ابن فضل الله العمرى والسّبكى وغيرهما . وفي مؤلفاته ما يثبت بالفعل موقفه الرافض لجالينوس ، خاصة إذا ما كان يشرح كتابا أبقراطيّا كان جالينوس قد سبق أن شرحه . انظر إلى العلّامة علاء الدين ، حين يقول في شرحه على تقدمة المعرفة : وقال جالينوس إن سبب ذلك . . وهذا لا يصح من وجوه أحدها . . إلخ « 1 » وفي شرح إبيذيميا أبقراط ( كتاب الأوبئة أو المرض الوافد ) يقول : وإني لأعجب من خروجهم عن الحقيقة إلى التأويل ، خاصة البعيد جدّا كتأويل جالينوس « 2 » . . إلخ ! والأمثلة على ذلك كثيرة في كتاباته « 3 » ؛ فكيف جاز له أن يهتم بجالينوس كل هذا الاهتمام السلبي - وقد اهتمّ بأبقراط وبابن سينا اهتماما إيجابيّا - ثم يهمل في نفس الوقت أستاذه . . هذا إن صحّت أستاذية الدّخوار له !

--> ( 1 ) ابن النفيس : شرح تقدمة المعرفة ( مخطوطة بلدية الإسكندرية رقم 5476 ) ورقة 104 ب . ( 2 ) ابن النفيس : شرح إبيذيميا ( مخطوطة دار الكتب المصرية رقم 583 / طب طلعت ) ورقة 45 ب . ( 3 ) يقول علاء الدين القرشي ( ابن النفيس ) في شرح التشريح : بقي هاهنا بحث ، وهو أن الأسنان عظام أوليس ؛ وقد شنع جالينوس على من لا يجعلها عظاما ، وجعلهم سوفسطائية ، واستدل هو على أنها عظام ، بما هو عين السفسطة ( شرح تشريح القانون ، تحقيق د . سليمان قطاية ، ص 93 ) .