يوسف زيدان
49
إعادة اكتشاف ابن نفيس
قليل ، أن هذا الطبيب : آلى على نفسه ألا يطبّ أحدا إلا ببيته أو في البيمارستان « 1 » كما وردت حكاية عن ناصر الدين محمد بن صغير ، نصّها : كان رحمه الله رزقه قليل ، لمته يوما وقلت له : يا مولى ناصر الدين ، لو جلست في دكان عطار وعالجت الناس ، لدخلك كل يوم أربعون أو خمسون درهما « 2 » . . وهذا كله يستفاد منه أن الجلوس لدى العطار كان آنذاك من شأن صغار الأطباء وفقرائهم ، أما الأعيان منهم والكبراء ، فكانت تجرى لهم الجامكية ( الرواتب ) من الأوقاف والأمراء والسلاطين ، وكانوا يمارسون الطب بالبيمارستانات ( المستشفيات ) ولا يرضون بالقعود عند العطارين . ومن هنا نقول : إنه بخلاف ما زعمه ابن فضل الله ، فإن علاء الدين القرشي ( ابن النفيس ) حينما جاء من الشام إلى مصر ، بدأ بداية متواضعة ، ولم يدعمه نسب ولا حسب ولا شهرة . . فظل يجاهد في سبيل لقمة عيشه ، ويحتمل سخافات العطّار الشرابى ، ويشتغل بالعلوم ، حتى صار أمره إلى المكانة العالية - علميّا واجتماعيّا - في النصف الأخير من حياته . . وتنتهى الترجمة ( الأوفى ) بحوار جرى بين أبى الثناء الحلبي و ( ابن النفيس ) يشكو فيه الأول عقالا في يده ، ويسأل عن علاجه ؛ فيرد ابن النفيس بأنه هو الآخر به عقال ولا يعرف بأي شئ يداويه . . وظاهر القصة يدعو إلى السخرية من جهل ( ابن النفيس ) بأمور العلاج ، ولكن حقيقة الأمر تحتاج نظرة أعمق ؛ ولو كان ابن فضل الله العمرى طبيبا ، لأدرك أن ما أورده للدلالة به على قلة بصر ابن النفيس بالعلاج ، هو عين ما يثبت براعته العلاجية . . فالعقال تشنّج عصبى يكون في الغالب روماتزميّا ، ويشفى منه بعد فترة من دون علاج ! وهذا الأمر يعرفه الأطباء القدامى والمحدثون ، يقول القوصونى : العقال تشنّج يعرض للعصب ، سببه ريح نافخة ، وفي الغالب تنحلّ سريعا « 3 » . . فالرجل كان يعلم أن العقال ليس مما
--> ( 1 ) المرجعين السابقين ، في الموضعين نفسهما . ( 2 ) د . أحمد عيسى : معجم الأطباء ، ص 427 . ( 3 ) القوصونى : قاموس الأطباء وناموس الألباء ، مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق ( مصورات مجمع اللغة العربية - دمشق 1400 هجرية ) ص 15 .