يوسف زيدان
42
إعادة اكتشاف ابن نفيس
وهي أمثلة عشوائية نقتطفها من الجزء السابع عشر ، حيث يترجم لشعراء الجانب الغربى - وهم بالطبع أقل بكثير من الشعراء المشارقة - فنراه يقول : ومنهم جعفر بن عثمان المصحفى ، الحاجب ، لا بل هو العين ، بل المعدن ، معدن الذهب العين ، بل النّظراء من الناس وهو العين ، بل هو الذي لو تقدّم شأو الطلق لما ذكر معه حاجب بن زرارة ، ولا استرهن كسرى قوسه وأبقى عليه عاره ، وله في الأدب يد لا تعدّ معها أصابع النيل ، ولا يجئ معها الفرات لرى الغليل ، ولا يعرف سيحون إلا ما ساح منها ، ولا جيحون « 1 » إلا ما احتيج لنقصه عنها « 2 » . . ! وإذا ترجم ابن فضل لشاعر غير معروف ، مثل أبى حاتم الحجازي ، قال : شاعر يظهر عليه ظرف أهل الحجاز ، ولطف أهل الحجى في حقيقة ومجاز ، لا يعدل بنظير ، ولا الروض النضير ، ولا يقاس بمثيل ، ولا الكواكب في التمثيل ، ولا يحمل على شبيه ، ولا ابن المعتز في التشبيه ؛ ينشق عرفه « 3 » الحجازي في مهاب الريح ، وينتشر نوؤه السحابىّ في هضاب برقه محمّر الصفيح ، ويسحب برده اليماني وقد بللت لمه خزامى وشيح « 4 » . . ثم يترجم لشاعر أقل شهرة ومكانة ، وهو أبو عامر محمد بن عبد ، فيبدأ بقوله : شاعر ينظم الدّر ، وتنظر منه الشموس في صبح الأيام الغر ، ركب مرة البحر وكانت أمواجه جبالا تتصادم ، أو رجالا تتصالم ، والماء يقذف بألسن مارج متلهّب ، والموج يشمّر ذيله تشمير مسافر متأهّب ؛ وشقّه على زوراء تسجد الرياح ، وخرقاء تجر بأطراف الرماح . . فلم تسبح ولم تطر ، وجزت بساقى عائم درب ، ثم طارت بجناحي طائر حذر ؛ فأقلعت به في جملة سفن تزأر زئير الأسد وهي صوامت ، وتسير سير الشهب وهي ثوابت ، وكأنها عقبان طارت فانقضّت على الماء ، أو سحائب حلّقت فتقطّعت في أديم السماء . . إلخ « 5 » .
--> ( 1 ) سيحون وجيحون ، نهران عظيمان بأقصى مشارق العالم الإسلامي . ( 2 ) ابن فضل الله العمرى : مسالك الأبصار ، الجزء السابع عشر ، مخطوطة المكتبة الوطنية بباريس رقم 2327 ( مصورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية - فرانكفورت ) الترجمة الثالثة ، الصفحة الخامسة . ( 3 ) العرف ، الريح الطيبة . ( 4 ) المرجع السابق ، الترجمة السادسة والأربعون ( صفحة 127 ) . . والخزامى والشيح ، نباتات طيبة الرائحة . ( 5 ) المرجع السابق ، الترجمة رقم 212 ( صفحة 364 ) .