يوسف زيدان

33

إعادة اكتشاف ابن نفيس

في الحضارة العربية الإسلامية اهتمام خاص بالتأريخ لأعلام الرجال ، والترجمة لمشاهير العلماء . وقد نبع هذا الاهتمام أساسا من علم الحديث النبوي ، فالأحاديث تروى عن رجال تتسلسل من خلالهم الرواية سابقا عن سابق حتى ينتهى الإسناد إلى الصادق الأمين صلى اللّه عليه وسلم مما استلزم النظر في أحوال الرواة وأخبارهم ، لمعرفة مدى صدقهم فيما ينقلونه من أحاديث . . ومن هنا ، نشأ علم خاص من علوم الحديث الشريف ، هو الجرح والتعديل ليتولّى النظر في مصداقية الراوي استنادا إلى سيرته ، فإن كان - مثلا - قد عرف عنه شرب الخمر أو شهادة الزور ، فهو مجروح لا تؤخذ روايته ، أو هو متروك أو مردود . فإن جاءت شهادة في حقّ ذلك المجروح أو المتروك أو المردود ، بحيث تنفى عنه ما يستوجب جرحه أو ردّه أو تركه ؛ كان ذلك هو التعديل . ولأئمة المسلمين كلام مطوّل في الجرح والتعديل ، وقد عرض العلاء ( ابن النفيس ) لتفاصيل هذا الأمر في كتابه البديع : المختصر « 1 » . . لكن ما يعنينا هنا ، هو بيان أن الاهتمام المبكر في الحضارة العربية الإسلامية بالرواة ، تمخّض عنه قسم مهمّ من أقسام التاريخ عند المسلمين ، هو : السير والتراجم . التّرجمة الأوفى ومع اتساع الجهود التأريخية عبر قرون الإسلام ، حظى العلماء بقدر وافر من التراجم ، لا نجد مثيلا له في حضارة أخرى - باستثناء الحضارة الغربية المعاصرة - إذ لم تهتمّ الحضارات الإنسانية بالتأريخ لرجالها على ذلك النحو الوفير الذي

--> ( 1 ) علاء الدين ( ابن النفيس ) : المختصر في علم أصول الحديث النبوي ، بتحقيقنا ( الدار المصرية اللبنانية 1991 ) ص 159 وما بعدها .