يوسف زيدان
23
إعادة اكتشاف ابن نفيس
وهي مسألة قديمة في الثقافة العربية ، ففي الجاهلية عرف الشاعر ثابت بن جابر بن سفيان ، المتوفى سنة 80 قبل الهجرة ( - 540 ميلادية « 1 » ) بلقب تأبّط شرا بحيث لا يعرف إلا به ، وسبب إطلاق اللقب عليه فيه خلاف ، والمشهور قولان . . القول الأول : إنه كان قد حمل سيفا تحت إبطه وخرج يتصعلك ، فسألوا عنه أمه ، فقالت : تأبّط شرا وخرج ! هذا ما رواه الأصفهاني « 2 » . . والقول الآخر : إنه لقّب بذلك لأنه وجد كبشا في الصحراء ، فحمله تحت إبطه ومشى به ، ثم اكتشف أنه يحمل ( الغول ) تحت إبطه « 3 » ! وقد لاقى هذا التعليل الأخير للقبه قبولا لدى عامة الناس ، وربطوا دوما بين تأبّط شرا والغيلان ، وهو ما نفاه الرجل بنفسه « 4 » . وفي عصور الإسلام ، اشتهر من الشعراء ( الحيص بيص ) وهو لقب سعد بن محمد بن سعد الأديب ، وكان على ما يبدو متقعّرا . . يقول ياقوت الحموي : وكان لا يخاطب أحدا إلا بكلام مغرب ، وإنما قيل له حيص بيص ، لأنه رأى الناس يوما في أمر شديد ( يتزاحمون ) فقال : ما للناس في حيص بيص ! فبقى عليه هذا اللقب « 5 » . ومن كبار اللغويين ( قطرب ) صاحب كتاب المثلث في اللغة ، وهو محمد بن المستنير ابن أحمد ، سمّى بقطرب - وهو اسم لدودة صغيرة تخرج في الليل - لأنه كان تلميذا لسيبويه ، وكان ينتظر أستاذه إذا خرج لصلاة الفجر ، ليسأله المسائل النحوية : فخرج سيبويه باكرا ، فرآه على بابه ، فقال له : ما أنت إلّا قطرب ليل . . فلقّب بذلك « 6 » ، ولقّب المؤرخ الشهير أحمد بن يحيى بن جابر - صاحب : فتوح البلدان - بالبلاذرى ؛ لأنه أسرف في تناول حبّ البلاذر ، وهو نبات يؤدى الإكثار من
--> ( 1 ) عمر كحالة : معجم المؤلفين 3 / 99 . ( 2 ) أبو الفرج الأصفهاني : الأغانى 18 / 209 . ( 3 ) دائرة المعارف الإسلامية ، مادة تأبط شرا . المجلد الرابع ( الترجمة العربية ) ص 435 . ( 4 ) يروى أبو العلاء المعرى أن تأبّط شرا سئل : أحقّ ما روى عنك من نكاح الغيلان ؟ فقال : لقد كنا في الجاهلية نتقوّل ونتخرّص ، فما جاءك عنا مما ينكره المعقول ، فإنه من الأكاذيب ( رسالة الغفران ، تحقيق بنت الشاطئ - دار المعارف ، الطبعة السادسة - ص 359 ) غير أن الرجل مات قبل الإسلام ، ولا أدرى كيف يصف عصره بالجاهلية ! ( 5 ) ياقوت : معجم الأدباء 11 / 201 . ( 6 ) المرجع السابق 19 / 52 .