يوسف زيدان

19

إعادة اكتشاف ابن نفيس

أن تقوم الكنية مقام الاسم فيعرف صاحبها بها كما يعرف باسمه ، كأبى لهب اسمه عبد العزّى ، عرف بكنيته فسمّاه الله بها « 1 » . وما يشير إليه ابن منظور هنا من الكناية عما يستفحش ذكره ، بكلمة أخرى غير اسمه ؛ هو أمر كثير الورود في الكلام الفصيح ، وفي العامية أيضا . . فالناس في مصر - على سبيل المثال - إذا أرادوا الإخبار عن موت شخص ، قالوا : فلان ، تعيش أنت . فاستبدلوا بالموت الحياة ! وإذا أشاروا إلى مرض شخص قالوا : فلان بعافية . والعافية عكس المرض . . وهكذا ، بيد أن ما يعنينا الآن هو الوجهان الثاني والثالث لإطلاق الكنية ، فبالوجه الثاني - فيما ذكره ابن منظور - تطلق الكنية توقيرا وتعظيما ، وهو ما نراه في تراجم الأعلام عبر تاريخ الإسلام ، فالنبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يكنى بأبى القاسم ( وهذا بالطبع لا يعنى أن له ولدا اسمه القاسم ، كما فهم بعض المستشرقين ! ) ثم استمر هذا التقليد الموروث عن زمن الجاهلية ، خلال العصور الإسلامية . ويمكننا أن نميّز بعض الكنى المرتبطة بالأسماء ، فقد جرت العادة بإطلاق كنية أبى العباس على من كان اسمه أحمد ، ويكنى الذي اسمه إبراهيم بأبى إسحاق ، وعلىّ بأبى الحسن ، تيمّنا بالمشاهير . وقد ينقلب الترتيب في بعض الكنى ، فيكنى يوسف بأبى يعقوب ، ويحيى بأبى زكريا ، وياقوت بأبى الدّرّ . . وقد راجعت مئات التراجم لتمحيص هذا الارتباط بين الاسم والكنية ، فوجدت الأمر يجرى في أغلب الأحيان وفقا لهذه الأمثلة ، وهي أمثلة تكشف عن رابطة خفيّة بين الاسم والكنية . . فالكنية هنا تطلق على الولد اسم الوالد ، وتجعله أباه ! وهذا النوع من الكناية بالأب ، لا يزال يستخدم في العديد من الجهات في الوطن العربي ، وقد لاحظت انتشاره بصعيد مصر . لكن الكنية لها أنواع أخرى ارتباطية ، كما في ( ياقوت - الدر ) أو غير ارتباطية كما في ( ياسر عرفات - أبو عمار ) . . لكن ما يجمع بين هذه الأنواع من الكنى هو أنها - جميعها - تستخدم للتقدير والتعظيم للشخص ، بحيث يصير من غير اللائق الإشارة إلى اسمه مجردا .

--> ( 1 ) ابن منظور : لسان العرب ، تصنيف يوسف خياط ( دار لسان العرب ، بيروت ) 3 / 306 .