يوسف زيدان
135
إعادة اكتشاف ابن نفيس
ثم يورد العلاء ضمن مباحث المنطق مبحثا لم يخطر - بالقطع - على بال أرسطو ! إذ يفرد فصلا من فصول الوريقات للأدلة الفقهية ، باعتبارها إحدى طرق الاستدلال ، فيستعرض الأدلة الخمس عند الفقهاء : الكتاب ، السنة ، الإجماع ، القياس ، استصحاب الحال « 1 » . . وهو يوردها باعتبارها استدلالا ليس غير ، منبّها في نهاية الفصل إلى الآتي : واعلم أن إثبات صحة هذه الأدلة ، وتفصيل الكلام فيها ، مما لا يليق بهذه الصناعة « 2 » . وكان العلاء في بحثه المنطقي مدركا لارتباط المنطق الصوري باللغة اليونانية ، بقدر اختلافه عن اللغة العربية . وكثيرا ما نبّه إلى ذلك في ثنايا الوريقات ، فتراه - على سبيل المثال - حين يتعرّض لمعنى الذاتية التي هي القانون الأول من قوانين الفكر الأساسية ، يقول : الذاتي يشتمل على ما هو داخل في الماهية ، وما هو كمال الماهية وهذا الاصطلاح جرى بين المنطقيين ، ولا علينا من كون اللغة تأباه « 3 » . . ويقول في موضع آخر : الجنس في اللغة اليونانية هو العامّ لكثيرين ، كالعلوية للعلويين ، والمصرية للمصريين . وبها جعلوا مبدأ ذلك العامّ جنسا ، فيجعلون عليّا جنسا للعلويين ، ومصر جنسا للمصريين فلما رأى المنطقيون المعنى الذي يسمونه جنسا ، مشتركا لكثيرين ، سموه بالجنس وهو : المقول على كثيرين بالفعل . . ولا علينا إن لم تجوّزه اللغة العربية « 4 » . ويبدو أن العلاء كان مدركا لطبيعة المعارضة التي يلقاها المنطق في عصره ، ومقتنعا في الوقت ذاته بأهمية المنطق - بل هو عنده : علم رئيس - ولذا اهتم بالردّ على معارضي المنطق ، وناقش حججهم بطريقته التعليمية الهادئة ، فجاء الفصل الثالث من مقدمة الوريقات على النحو التالي :
--> ( 1 ) استصحاب الحال : هو أنه إذا حصل العلم بوجود شئ كان ، وكان ذلك الشئ يمكن بقاؤه وعدمه ، ثم شككنا بعد حين : هل هو موجود أوليس ؟ كان ظننا بوجوده أظهر من عدمه ( الوريقات ، ورقة 127 ب ) . ( 2 ) يقصد : المنطق . . والعبارة في الوريقات ورقة 127 ب . ( 3 ) الوريقات ( ورقة 8 ب ) . ( 4 ) الوريقات ( ورقة 1 أ - 2 ب ) .