محمد بن الطيب الباقلاني
284
إعجاز القرآن
وأما " الفواصل " فقد بينا أنه يصح أن يتعلق بها الاعجاز ، وكذلك قد بينا في المقاطع والمطالع نحو هذا ، وبينا في " تلاؤم " الكلام ما سبق : من صحة تعلق الاعجاز به . / والتصرف في " الاستعارة " البديعة يصح أن يتعلق به الاعجاز ، كما يصح مثل ذلك في حقائق الكلام ، لان البلاغة في كل واحد من البابين تجرى مجرى واحدا وتأخذ مأخذا مفردا . * * * وأما " الايجاز والبسط " فيصح أن يتعلق بهما الاعجاز ( 1 ) ، كما يتعلق بالحقائق . * * * و " الاستعارة " و " البيان " في كل واحد منهما ما لا ( 2 ) يضبط وحده ، ولا يقدر قدره ، ولا يمكن التوصل إلى ساحل بحره بالتعلم ، ولا يتطرق إلى غوره بالتسبب ، وكل ما يمكن تعلمه ، ويتهيأ تلقنه ، ويمكن تحصيله ( 3 ) ، ويستدرك أخذه - فلا يجب أن يطلب وقوع الاعجاز به . ولذلك قلنا : إن " السجع " ما ليس يلتمس فيه الاعجاز ، لان ذلك أمر محدود ، وسبيل مورود ، ومتى تدرب الانسان به واعتاده لم يستصعب عليه أن يجعل جميع كلامه منه . وكذلك " التجنيس " و " التطبيق " متى أخذ أخذهما ( 4 ) وطلب وجههما ، / استوفى ما شاء ، ولم يتعذر عليه أن يملأ خطابه منه ، كما أولع بذلك أبو تمام والبحتري ، وإن كان البحتري أشغف بالمطابق ، وأقل طلبا للمجانس . فإن قال قائل : هلا قلت : إن هذين البابين يقع فيهما مرتبة عالية ، لا يوصل إليها بالتعلم ، ولا تملك بالتعمل ، كما ذكرتم في البيان وغير ذلك ؟ قلنا : لو عمد إلى كتاب " الأجناس " ، ونظر في كتاب " العين " ، لم يتعذر عليه التجنيس الكثير . فأما " الاطباق " فهو أقرب منه ، وليس كذلك البيان والوجوه التي رأينا الاعجاز فيها ، لأنها لا تستوفى بالتعلم .
--> ( 1 ) س : " إعجاز " ( 2 ) م " منهما لا يضبط " ( 3 ) كذا في ا ، م . وفى ك ، س " تخليصه " . ( 4 ) كذا في ا ، م . وفى س ، ك " أخذ أحدهما " .