محمد بن الطيب الباقلاني
206
إعجاز القرآن
ويتفاوت التفاوت الكثير في طرقه ، ويضيق به النطاق في مذاهبه ، ويرتبك ( 1 ) في أطرافه وجوانبه ، ويسلمه للتكلف ( 2 ) الوحش كثرة تصرفه ، ويحيله على التصنع الظاهر موارد تنقله وتخلصه . / ونظم القران في مؤتلفه ومختلفه ، وفى فصله ووصله ، وافتتاحه واختتامه ، وفى كل نهج يسلكه ، وطريق يأخذ فيه ، وباب يتهجم عليه ، ووجه يؤمه ، على ما وصفه الله تعالى به - لا يتفاوت ، كما قال : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ( 3 ) . ولا يخرج عن تشابهه وتماثله ، كما قال : ( قرآنا عربيا غير ذي عوج ) ( 4 ) . وكما قال : ( كتابا متشابها ) ( 5 ) ولا يخرج عن إبانته ، كما قال : ( بلسان عربي مبين ) ( 6 ) . وغيره من الكلام كثير التلون ، دائم التغير ، [ والتنكر ] ( 7 ) ، يقف بك على بديع مستحسن ، ويعقبه بقبيح ( 8 ) مستهجن ، ويطلع عليك بوجه الحسناء ، ثم يعرض للهجر بخد القبيحة الشوهاء ، ويأتيك باللفظة المستنكرة بين الكلمات التي هي كاللآلئ الزهر . وقد يأتيك باللفظة الحسنة بين الكلمات البهم ، وقد يقع إليك منه الكلام المثبج ( 9 ) ، والنظم المشوش ، والحديث المشوه . وقد تجد منه ما لا يتناسب ولا يتشابه ، ولا يتألف ولا يتماثل / وقد قيل في وصف ما جرى هذا المجرى : وشعر كبعر الكبش فرق بينه * لسان دعى في القريض دخيل ( 10 )
--> ( 1 ) م : " ويريبك " ( 2 ) م : " ويسلبه التكلف الوحش كثير " ( 3 ) سورة النساء : 82 ( 4 ) سورة الزمر : 28 ( 5 ) سورة الزمر : 23 ( 6 ) سورة الشعراء : 195 ( 7 ) الزيادة من م ( 8 ) س : " قبيح " ( 9 ) في اللسان 3 / 43 " الثبج : اضطراب الكلام " . ( 10 ) في البيان والتبيين 1 / 66 " قال أبو العاصي : وأنشدني في ذلك أبو البيداء الرياحي : وشعر إلخ . . . وأما قوله : " كبعر الكبش " فإنما ذهب إلى أن بعر الكبش يقع متفرقا غير مؤتلف ولا متجاوز . وكذلك حروف الكلام وأجزاء البيت من الشعر تراها متفقة ملساء ، ولينة المعاطف سهلة ، وتراها مختلفة متباينة ، ومتنافرة مستكرهة ، تشق على اللسان وتكده ، والأخرى تراها سهلة لينة ، ورطبة مواتية ، سلسة النظام ، خفيفة على اللسان ، حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة ، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد "