محمد بن الطيب الباقلاني
202
إعجاز القرآن
إن إلهكم لواحد ، رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق ، إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ، وحفظا من كل شيطان مارد ، لا يسمعون إلى الملا الأعلى ويقذفون من كل جانب ، دحورا ، ولهم عذاب واصب ، إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ) ( 1 ) . هذه من الآيات التي قال فيها الله تعالى ذكره : ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ، ذلك هدى الله يهدى به من يشاء ، ومن يضلل الله فما له من هاد ) ( 2 ) . [ ارفع طرف قلبك ] ( 3 ) ، وانظر بعين عقلك ، وراجع جلية بصيرتك ، إذا تفكرت في كلمة كلمة مما نقلناه إليك ، وعرضناه / عليك ، ثم فيما ينتظم من الكلمات ، ثم إلى أن يتكامل فصلا وقصة ، أو يتم حديثا وسورة . لا ، بل فكر في جميع القرآن على هذا الترتيب ، وتدبره على نحو هذا التنزيل ، فلم ندع ما ادعيناه لبعضه ، ولم نصف ما وصفنا ( 4 ) إلا في كله ، وإن كانت الدلالة في البعض أبين وأظهر ، والآية أكشف وأبهر . وإذا تأملت على ما هديناك إليه ، ووقفناك عليه ، فانظر هل تجد وقع ( 5 ) هذا النور في قلبك ، واشتماله على لبك ، وسريانه في حسك ، ونفوذه في عروقك ، وامتلاءك به إيقانا وإحاطة ، واهتداءك به إيمانا وبصيرة ؟ أم هل تجد الرعب يأخذ منك مأخذه من وجه ، والهزة تعمل في جوانبك ( 6 ) من لون ، والأريحية تستولي عليك من باب ؟ وهل تجد الطرب يستفزك للطيف ما فطنت له ، والسرور يحركك من عجيب ما وقفت عليه ، وتجد في نفسك من المعرفة التي حدثت لك - عزة ، وفى أعطافك ارتياحا وهزة ، وترى لك في الفضل تقدما وتبريزا ، وفى اليقين سبقا وتحقيقا ، وترى مطارح الجهال تحت / أقدام الغفلة ، ومهاويهم
--> ( 1 ) سورة الصافات : 1 - 10 ( 2 ) سورة الزمر : 8 ( 3 ) الزيادة من م ( 4 ) س : " ما وصفناه " ( 5 ) كذا في ا ، م ، وفى س ، ك : " هل ترى " ( 6 ) م : " في جوارحك "