محمد بن الطيب الباقلاني

200

إعجاز القرآن

ثم تأمل قوله : وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، والله يقضى بالحق ، والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ ، إن الله هو السميع البصير ) ( 1 ) . كل كلمة من ذلك على ما قد وصفتها ( 2 ) : من أنه إذا رآها الانسان في رسالة كانت عينها ، أو في خطبة كانت وجهها أو قصيدة كانت ( 3 ) غرة غرتها ، وبيت قصيدتها ، كالياقوتة التي تكون فريدة العقد ، وعين القلادة ، ودرة الشذر ، إذا وقع بين كلام وشحه ، وإذا ضمن ( 4 ) في نظام زينه ، وإذا اعترض في خطاب تميز عنه ، وبان بحسنه منه . ولست أقول هذا لك في آية ، دون آية ، وسورة دون سورة ، وفصل دون فصل ، وقصة دون قصة ، ومعنى دون معنى ، لأني قد شرحت لك أن الكلام في حكاية القصص والاخبار ، وفى الشرائع / والاحكام ، وفى الديانة والتوحيد ، وفى الحجج والتثبيت ، هو خلاف الكلام فيما عدا هذه الأمور . ألا ترى أن الشاعر المفلق إذا جاء إلى الزهد قصر ، والأديب إذا تكلم في بيان الاحكام وذكر الحلال والحرام ، لم يكن كلامه على حسب كلامه في غيره . ونظم القرآن لا يتفاوت في شئ ، ولا يتباين في أمر ، ولا يختل في حال ، بل له المثل الأعلى ، والفضل الأسنى . وفيما شرحناه لك كفاية ، وفيما بيناه بلاغ . * * * ونذكر في الأحكاميات وغيرها آيات أخر : منها قوله : ( يسئلونك ماذا أحل لهم ؟ قل : أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ، تعلمونهن مما علمكم الله ، فكلوا مما أمسكن عليكم ، واذكروا اسم الله عليه ، واتقوا الله ، إن الله سريع الحساب ) ( 5 ) .

--> ( 1 ) سورة غافر : 18 - 20 ( 2 ) م : " على قدر ما وصفتها " . ( 3 ) م : " وكانت غرتها " ( 4 ) م : " وإذا نظم " ( 5 ) سورة المائدة : 4