محمد بن الطيب الباقلاني

194

إعجاز القرآن

/ ثم ذكر الفاصلة التي أو غلت في التأكيد ، وكفت في التظليم ، وردت آخر الكلام على أوله ، وعطفت عجزه على صدره . ثم ذكر وعده تخليصهم بقوله : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) ( 1 ) . وهذا من التأليف بين المؤتلف ، والجمع بين المستأنس . كما أن قوله : ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ، ولا تنس نصيبك من الدنيا ، وأحسن كما أحسن الله إليك ، ولا تبغ الفساد في الأرض ، إن الله لا يحب المفسدين ) ( 2 ) . وهي خمس كلمات ، متباعدة في المواقع ، نائية المطارح ، قد جعلها النظم البديع أشد تألفا ( 3 ) من الشئ المؤتلف في الأصل ، وأحسن توافقا من المتطابق في أول الوضع . ومثل هذه الآية قوله : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ، ما كان لهم الخيرة ، سبحان الله وتعالى عما يشركون ) ( 4 ) . ومثلها : ( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ، وكنا نحن الوارثين ) ( 5 ) . / ومن المؤتلف قوله : ( فخسفنا به وبداره الأرض ، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله ، وما كان من المنتصرين ) ( 6 ) . وهذه ثلاث كلمات ، كل كلمة منها أعز من الكبريت الأحمر . ومن الباب الآخر ( 7 ) قوله تعالى : ( ولا تدع مع الله إلها آخر ، لا إله إلا هو ، كل شئ هالك إلا وجهه ، له الحكم ، وإليه ترجعون ) ( 8 ) . * * * كل سورة من هذه السور تتضمن من القصص ما لو تكلفت العبارة عنها بأضعاف كلماتها ، لم تستوف ما استوفته . ثم تجد فيما تنظم ثقل النظم ،

--> ( 1 ) سورة النمل : 5 ( 2 ) سورة القصص : 77 ( 3 ) م : " تأليفا " ( 4 ) سورة القصص : 68 ( 5 ) سورة القصص : 58 ( 6 ) سورة القصص : 81 ( 7 ) كذا في ك ، س وفى م : " ومن الباب قوله " ( 8 ) سورة القصص : 88