محمد بن الطيب الباقلاني

187

إعجاز القرآن

نشاء من عبادنا ، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) ( 1 ) فانظر إن شئت - إلى شريف هذا النظم ، وبديع هذا التأليف ، وعظيم هذا الرصف ( 2 ) ، كل كلمة من هذه الآية تامة ، وكل لفظ بديع واقع . قوله : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) : يدل على صدوره من الربوبية ، ويبين عن وروده عن الإلهية . وهذه الكلمة بمنفردها وأخواتها ( 3 ) كل واحدة منها لو وقعت بين كلام كثير - تميز عن جميعه ، وكان واسطة عقده ، وفاتحة عقده ، وغرة شهره ، وعين دهره . وكذلك قوله : ( ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) ، فجعله روحا ، لأنه يحيى ( 4 ) ، الخلق ، فله فضل الأرواح في الأجساد . وجعله نورا ، لأنه يضئ ضياء الشمس في الآفاق . ثم أضاف وقوع / الهداية به إلى مشيئته ، ووقف وقوع ( 5 ) الاسترشاد به على إرادته ، وبين أنه لم يكن ليهتدى إليه لولا توفيقه ، ولم يكن ليعلم ما في الكتاب ولا الايمان لولا تعليمه ، وأنه لم يكن ليهتدى - فكيف كان يهدى - لولاه ، فقد صار ( 6 ) يهدى ، ولم يكن ( 6 ) من قبل ذلك ليهتدى ( 7 ) ، فقال : ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم . صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ، ألا إلى الله تصير الأمور ) ( 8 ) . فانظر إلى هذه الكلمات الثلاث : فالكلمتان الأوليان مؤتلفتان ، وقوله : ( ألا إلى الله تصير الأمور ) كلمة منفصلة مباينة للأولى ، قد صيرهما شريف النظم أشد ائتلافا من الكلام المؤالف ، وألطف انتظاما من الحديث الملائم . وبهذا يبين فضل الكلام ، وتظهر فصاحته وبلاغته . الامر أظهر - والحمد لله - والحال أبين من أن يحتاج إلى كشف .

--> ( 1 ) سورة الشورى : 52 ( 2 ) م : " على أن كل " ( 3 ) س : " وأخوتها " ( 4 ) م : " يحيى به " ( 5 ) كذا في م وفى س ، ك : " وقوف " ( 6 ) ما بين الرقمين مكانه بياض في ك ( 7 ) م : " ليهدى " ( 8 ) سورة الشورى : 53