محمد بن الطيب الباقلاني

156

إعجاز القرآن

وإذا كانت الفصاحة في قول الشعر أو لم تكن ، وبينا أن نظم القرآن يزيد في فصاحته على كل نظم ، ويتقدم في بلاغته على كل قول ، بما يتضح به الامر اتضاح الشمس ، ويتبين به بيان الصبح - وقفت على جلية هذا الشأن . فانظر فيما نعرضه عليك ( 1 ) ، وتصور بفهمك ما نصوره ، ليقع لك موقع عظيم شأن القرآن ، وتأمل ما نرتبه ، ينكشف لك الحق . إذا أردنا ( 2 ) تحقيق ما ضمناه لك ، فمن سبيلنا أن نعمد إلى قصيدة / متفق على كبر محلها ، وصحة نظمها ، وجودة بلاغتها ، ورشاقة ( 3 ) معانيها ، وإجماعهم على إبداع صاحبها فيها ، مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة ، والمعروفين بالحذق في البراعة ، فنقفك على مواضع ( 4 ) خللها ، وعلى تفاوت نظمها ، وعلى اختلاف فصولها ، وعلى كثرة فضولها ، وعلى شدة تعسفها ، وبعض تكلفها ، وما تجمع من كلام رفيع ، يقرن بينه وبين كلام وضيع ، وبين لفظ سوقي ، يقرن بلفظ ملوكي ، وغير ذلك من الوجوه التي يجئ تفصيلها ، ونبين ترتيبها وتنزيلها . * * * فأما كلام " مسيلمة " الكذاب ، وما زعم أنه قرآن ، فهو أخس من أن نشتغل به ، وأسخف من أن نفكر فيه . وإنما نقلنا منه طرفا ليتعجب القارئ ، وليتبصر الناظر ، فإنه ( 5 ) على سخافته قد أضل ، وعلى ركاكته قد أزل ، وميدان الجهل واسع ! ومن نظر فيما نقلناه عنه ، وفهم موضع جهله ، كان جديرا أن يحمد الله على ما رزقه من فهم ، وآتاه من علم . فما كان يزعم أنه نزل عليه من السماء : " والليل الأضخم ، والذئب / الأدلم ، والجذع الأزلم ، ما انتهكت أسيد من محرم " ! وذلك قد ذكر في خلاف وقع بين قوم أتوه من أصحابه !

--> ( 1 ) ك : " تعرضه وتصور " س : " نعرضه عليك ما نعرضه وتصور " ( 2 ) م : " إذا أردت " ( 3 ) سقطت هذه الكلمة من س ، ك ( 4 ) م : " فنوقفك على مواقع " ( 5 ) م : " لأنه "