محمد بن الطيب الباقلاني
123
إعجاز القرآن
ومنهم من يعرف بالبديهة وحدة الخاطر ، ونفاذ الطبع وسرعة / النظم ، يرتجل القول ارتجالا ، ويطبعه ( 1 ) عفوا صفوا ، فلا يقعد به عن قوم قد تعبوا وكدوا أنفسهم ، وجاهدوا خواطرهم . وكذلك لا [ يمكن أن ] ( 2 ) يخفى عليهم الكلام العلوي ، واللفظ الملوكي ، كما لا يخفى عليهم الكلام العامي ، واللفظ السوقي ، ثم تراهم ينزلون الكلام تنزيلا ، ويعطفونه - كيف تصرف - حقوقه ، ويعرفون مراتبه فلا يخفى عليهم ما يختص به كل فاضل تقدم في وجه من وجوه النظم ، من الوجه الذي لا يشاركه فيه غيره ، ولا يساهمه سواه . ألا تراهم وصفوا زهيرا بأنه أمدحهم وأشدهم أسر شعر ( 3 ) ، قاله أبو عبيدة ( 4 ) ؟ وروى أن الفرزدق انتحل بيتا من شعر جرير ، وقال : هذا يشبه شعري . فكان هؤلاء لا يخفى عليهم ما قد نسبناه إليهم من المعرفة بهذا الشأن ، وهذا كما يعلم البزاز أن ( 5 ) هذا الديباج عمل بتستر ( 6 ) ، وهذا / لم يعمل بتستر ، وأن هذا من صنعة فلان دون فلان ، ومن نسج فلان دون فلان ، حتى لا يخفى عليه ، وإن كان قد يخفى على غيره . ثم إنهم يعلمون أيضا من له سمت بنفسه ، ورفت برأسه ، ومن يقتدى في الألفاظ أو في المعاني أو فيهما بغيره ، ويجعل سواه قدوة له ، ومن يلم في الأحوال بمذهب غيره ، ويطور ( 7 ) في الأحيان [ بجنبات كلامه ] ( 8 ) . وهذه أمور ممهدة عند العلماء ، وأسباب معروفة عند الأدباء ، وكما يقولون : إن " البحتري " يغير على " أبى تمام " إغارة ، ويأخذ منه صريحا وإشارة ،
--> ( 1 ) م " ويطيعه " ( 2 ) الزيادة من م ( 3 ) س " أثر " ( 4 ) الشعر والشعراء 1 / 93 ( 5 ) س ، ك " البزازون " ( 6 ) مدينة من كور الأهواز ، فتحها أبو موسى الأشعري في عهد عمر ، وكانت بها مصانع للثياب والعمائم ، معجم البلدان 2 / 377 وابن خلكان 2 / 150 ( 7 ) س ، ك " ويأتي " ( 8 ) الزيادة من ا ، م ومكانها بياض في ك