محمد بن الطيب الباقلاني
117
إعجاز القرآن
فقال : ليس هذا من عمل أولئك القوم ، إنما يعرف الشعر من يضطر إلى أن يقول مثله ، وفى الشعر ضروب لم يحسنها الفرزدق ، ولقد ماتت النوار امرأته فناح عليها بقول جرير : لولا الحياء لعادني استعبار * ولزرت قبرك والحبيب يزار ( 1 ) وروى عن أبي عبيدة : أنه قال للفرزدق ( 2 ) : مالك لا تنسب كما ينسب جرير ؟ فغاب حولا ، ثم جاء فأنشد : يا أخت ناجية بن سامة إنني * أخشى عليك بنى إن طلبوا دمى ( 3 ) والأعدل في الاختيار ما سلكه أبو تمام ( 4 ) من الجنس الذي جمعه في كتاب " الحماسة " ، وما اختاره من " الوحشيات " ، وذلك أنه تنكب ( 5 ) المستنكر الوحشي ، والمبتذل العامي ، وأتى بالواسطة . وهذه طريقة من ينصف في الاختيار ، ولا يعدل به غرض ( 6 ) / يخص ، لان الذين اختاروا الغريب فإنما اختاروه لغرض لهم في تفسير ما يشتبه على غيرهم ، وإظهار ( 7 ) التقدم في معرفته ، وعجز غيرهم عنه ، ولم يكن قصدهم جيد الاشعار لشئ يرجع إليها في أنفسها . ويبين هذا : أن الكلام الموضوع للإبانة عن الأغراض التي في النفوس وإذا كان كذلك وجب أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب إلى الدلالة على ( 8 ) المراد ، وأوضح في الإبانة عن المعنى المطلوب ، ولم يكن مستكره المطلع على الاذن ، و [ لا ] ( 9 ) مستنكر المورد على النفس ، حتى يتأبى بغرابته ( 10 ) في اللفظ عن الافهام ، أو يمتنع بتعويص ( 11 ) معناه عن الإبانة . ويجب أن يتنكب ما كان عامي اللفظ ( 12 ) ، مبتذل العبارة ، ركيك المعنى ، سفسافي الوضع ، مجتلب
--> ( 1 ) ديوانه ص 199 والصناعتين ص 17 والشعر والشعراء 1 / 464 ( 2 ) م " قال قيل للفرزدق " ( 3 ) ديوانه ص 778 ( 4 ) م " أبو تمام " ( 5 ) س ، ك " تنكر " ( 6 ) م " به إلى غرض " ( 7 ) م في نفسه لكونه مما يشتبه غيرهم ولإظهار " ( 8 ) ا " عن " ( 9 ) الزيادة من م ( 10 ) م " لغربته " ( 11 ) م " لعويص " ( 12 ) س ، ك " ما كان عليه اللفظ "