محمد بن الطيب الباقلاني

62

إعجاز القرآن

لهم تؤدى تلك المعاني ونحوها ( 1 ) ، وجعلوها بإزاء ما جاء به ، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه ، وإلى مساواته فيما [ حكى و ] جاء به . وكيف وقد قال لهم : ( فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ) ( 2 ) . فعلى هذا يكون المقصد - بتقديم بعض الكلمات ( 3 ) وتأخيرها - إظهار الاعجاز ( 4 ) على الطريقين جميعا ، دون السجع ( 5 ) الذي توهموه . فإن قال قائل : القرآن مختلط من أوزان كلام العرب ، ففيه من جنس خطبهم ، ورسائلهم [ وشعرهم ] وسجعهم ، وموزون كلامهم الذي هو غير مقفى ، ولكنه أبدع فيه ضربا من الابداع ، لبراعته وفصاحته . قيل : قد علمنا أن كلامهم ينقسم إلى نظم ونثر ، وكلام مقفى غير موزون [ وكلام موزون غير مقفى ] ( 6 ) ، ونظم موزون ليس بمقفى كالخطب والسجع ، ونظم مقفى موزون له روى . / ومن هذه الأقسام ما هو سجية الأغلب من الناس ، فتناوله أقرب ، وسلوكه لا يتعذر . ومنه ما هو أصعب تناولا ، كالموزون عند بعضهم ، والشعر عند الآخرين ( 7 ) . وكل هذه الوجوه لا تخرج عن أن تقع لهم بأحد أمرين : إما بتعمل وتكلف وتعلم ( 8 ) وتصنع ، أو باتفاق من الطبع وقذف من النفس على اللسان للحاجة إليه . ولو كان ذلك مما يجوز اتفاقه من الطبائع ، لم ينفك العالم من قوم يتفق ذلك منهم ، ويعرض ( 9 ) على ألسنتهم ، وتجيش به خواطرهم ، ولا ينصرف ( 10 ) عنه الكل ، مع شدة الدواعي إليه . ولو كان طريقه التعلم لتصنعوه ولتعلموه ( 11 ) والمهلة لهم فسيحة ، والأمد واسع .

--> ( 1 ) س : " وتحويها " ( 2 ) سورة الطور : 34 ( 3 ) م : " الكلام " ( 4 ) إظهار للإعجاز " ( 5 ) س : " التسجيع " ( 6 ) ما بين المعقوفين ساقط من م ( 7 ) س : " أو الشعر عند الآخرين " ( 8 ) سقطت هذه الكلمة من م ( 9 ) ا : " ويعترض " س " ويتعرض " ( 10 ) م : " ولا يتصرف " ( 11 ) م : " طريقه التعمل لتصنعوا فيه وتعلموه "