محمد بن الطيب الباقلاني
57
إعجاز القرآن
فصل في نفى السجع من القرآن ذهب أصحابنا كلهم إلى نفى السجع من القرآن وذكره [ الشيخ ] أبو الحسن الأشعري [ رضي الله عنه ] في غير موضع من كتبه . وذهب كثير ممن يخالفهم إلى إثبات السجع في القرآن . وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام ، وأنه من الأجناس التي يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة ، كالتجنيس والالتفات ، وما أشبه ذلك من الوجوه التي تعرف بها الفصاحة . وأقوى ما يستدلون به عليه : اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هارون عليهما السلام ، ولمكان ( 1 ) السجع قيل في موضع ( هارون وموسى ) ( 2 ) . ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون ، قيل : ( موسى وهارون ) ( 3 ) . قالوا : وهذا يفارق أمر الشعر ، لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصودا إليه ، وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذي نسميه ( 4 ) شعرا ، وذلك القدر ما يتفق وجوده من المفحم ، كما يتفق / وجوده من الشاعر . وأما ما في القرآن من السجع فهو كثير ، لا يصح أن يتفق كله غير المقصود إليه . ويبنون الامر في ذلك على تحديد معنى " السجع " . قال أهل اللغة : هو موالاة الكلام على وزن واحد . وقال ابن دريد : " سجعت الحمامة " معناه : رددت صوتها . وأنشد : طربت فأبكتك الحمام السواجع * تميل بها ضحوا غصون نوائع النوائع : الموائل ، من قولهم : جائع نائع ، أي متمايل ضعفا ( 5 ) . وهذا الذي يزعمونه غير صحيح ، ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم ، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز .
--> ( 1 ) م : " ولكان " ( 2 ) سورة طه : 70 ( 3 ) سورة الأعراف : 122 ( 4 ) س : " يسمى " والبيت غير منسوب في اللسان 19 209 وفيه : " طربت وهاجتك . . . يوانع " ( 5 ) نقل المؤلف هذا النص من كتاب الجمهرة لابن دريد 2 - 93 .