محمد بن الطيب الباقلاني
53
إعجاز القرآن
وهذا من الخفيف . كقول الشاعر : وفؤادي كعهده بسليمى * بهوى لم يحل ولم يتغير ( 1 ) وكما ضمنه في شعره من قوله : سبحان من سخر هذا لنا * ( حقا ) وما كنا له مقرنين ( 2 ) فزاد فيه حتى انتظم له الشعر . وكما يقولونه في قوله عز وجل : ( والعاديات ضبحا ، فالموريات قدحا ) ( 3 ) ونحو ذلك من القرآن كثير ، كقوله : ( والذاريات ذروا . فالحاملات وقرا . فالجاريات يسرا ) ( 4 ) . وهو عندهم شعر من بحر البسيط . والجواب عن هذه الدعوى التي ادعوها ، من وجوه : / أولها : أن الفصحاء منهم حين أورد عليهم القرآن ، لو كانوا يعتقدونه شعرا ، ولم يروه خارجا عن أساليب كلامهم - لبادروا إلى معارضته ، لان الشعر مسخر لهم مسهل عليهم ، ولهم فيه ما علمت من التصرف العجيب ، والاقتدار اللطيف . فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك ، ولا عولوا عليه - : علم أنهم لم يعتقدوا فيه شيئا مما يقدره الضعفاء في الصنعة ، والمرمدون في هذا الشأن . وإن استدراك من يجئ الآن على فصحاء قريش وشعراء العرب قاطبة في ذلك الزمان وبلغائهم وخطبائهم ، وزعمه أنه قد ظفر بشعر في القرآن [ وقد ] ذهب أولئك النفر عنه وخفى عليهم مع شدة حاجتهم ( 5 ) [ عندهم ] إلى الطعن في القرآن والغض منه والتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه - فلن يجوز أن يخفى على أولئك ، وأن يجهلوه ، ويعرفه من جاء الآن ، وهو بالجهل حقيق ! إذا كان كذلك ، علم أن الذي أجاب به العلماء عن هذا السؤال سديد ، وهو أنهم قالوا : إن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا ، وأقل الشعر
--> ( 1 ) في العقد الفريد 5 / 491 " لم يزل " . ( 2 ) أخبار أبى نواس 2 / 55 وفى " لنا هذا " . قال تعالى في سورة الزخرف 13 : " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين " ( 3 ) سورة العاديات : 1 - 2 ( 4 ) سورة الذاريات 1 - 3 ( 5 ) ب : " حاجته عندهم "