محمد بن الطيب الباقلاني
51
إعجاز القرآن
/ فصل في نفى الشعر من القرآن قد علمنا أن الله تعالى نفى الشعر عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ، إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ) ( 1 ) . وقال في ذم الشعراء : ( والشعراء يتبعهم الغاوون . ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ) ( 2 ) إلى آخر ما وصفهم به في هذه الآيات . وقال : ( وما هو بقول شاعر ) ( 3 ) . وهذا يدل على أن ما حكاه عن الكفار - من قولهم : إنه شاعر ، وإن هذا شعر - لابد من أن يكون محمولا على أنهم نسبوه [ إلى أنه يشعر بما لا يشعر به غيره من الصنعة اللطيفة في نظم الكلام ، لا أنهم نسبوه ] في القرآن إلى أن الذي أتاهم به هو من قبيل الشعر الذي يتعارفونه على الأعاريض المحصورة المألوفة . أو يكون محمولا على ما كان يطلق الفلاسفة على حكمائهم وأهل الفطنة منهم في وصفهم إياهم بالشعر ، لدقة نظرهم في وجوه الكلام وطرق لهم في المنطق . وإن كان ذلك الباب خارجا عما هو عند العرب شعر على الحقيقة . / أو يكون محمولا على أنه أطلقه ( 4 ) بعض الضعفاء منهم في معرفة أوزان الشعر . وهذا أبعد الاحتمالات . فإن حمل على الوجهين الأولين كان ما أطلقوه صحيحا ، وذلك أن الشاعر يفطن لما لا يفطن له غيره ، وإذا قدر على صنعة الشعر كان على ما دونه - في رأيهم وعندهم - أقدر ، فنسبوه إلى ذلك لهذا السبب . فإن زعم زاعم أنه قد وجد في القرآن شعرا كثيرا ، فمن ذلك ما يزعمون أنه بيت تام أو أبيات تامة ، ومنه ما يزعمون أنه مصراع ، كقول القائل : قد قلت لما حاولوا سلوتي * ( هيهات هيهات لما توعدون ) ( 5 ) ومما يزعمون أنه بيت ، قوله : ، ( وجفان كالجواب وقدور راسيات ) ( 6 ) قالوا : هو من الرمل ، من البحر الذي قيل فيه :
--> ( 1 ) سورة يس : 69 ( 2 ) سورة الشعراء : 224 - 225 ( 3 ) سورة الحاقة : 41 ( 4 ) س : " أطلق عن بعض " ( 5 ) سورة المؤمنون ، : 36 ( 6 ) سورة سبأ : 13