محمد بن الطيب الباقلاني

46

إعجاز القرآن

وقد يمكن أن تعاد فاتحة كل سورة لفائدة ( 1 ) تخصها في النظم ، إذا كانت حروفا ، كنحو ( ألم ) لان الألف المبدوء بها هي أقصاها / مطلعا ، واللام متوسطة ، والميم متطرفة ، لأنها تأخذ في الشفة . فنبه بذكرها على غيرها من الحروف ، وبين أنه إنما أتاهم بكلام منظوم مما يتعارفون من الحروف التي تتردد بين هذين الطرفين . ويشبه أن يكون التنصيف وقع في هذه الحروف دون الألف ، لان الألف قد تلغى ، وقد تقع الهمزة وهي موقعا واحدا . * * * ومعنى عاشر ، وهو : أنه سهل سبيله ، فهو خارج عن الوحشي المستكره ، والغريب المستنكر ، وعن الصنعة المتكلفة . وجعله قريبا إلى الافهام ، يبادر معناه لفظه إلى القلب ، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس . وهو مع ذلك ممتنع المطلب ، عسير المتناول ، غير مطمع مع قربه في نفسه ، ولا موهم مع دنوه في موقعه أن يقدر عليه ، أو يظفر به . فأما الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل ، والقول المسفسف ، فليس يصح أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة ، فيطلب فيه الممتنع ( 2 ) ، أو يوضع فيه الاعجاز . ولكن لو وضع في وحشى مستكره ، أو غمر بوجوه الصنعة ، وأطبق بأبواب التعسف والتكلف - لكان لقائل أن يقول فيه ويعتذر ، أو يعيب ويقرع . ولكنه أوضح مناره ، وقرب منهاجه ، وسهل سبيله ، وجعله في ذلك متشابها متماثلا ، وبين مع ذلك إعجازهم فيه . / وقد علمت أن كلام فصحائهم ، وشعر بلغائهم لا ينفك من تصرف في غريب مستنكر ، أو وحشى مستكره ، ومعان مستبعدة . ثم عدولهم إلى كلام مبتذل وضيع لا يوجد دونه في الرتبة ، ثم تحولهم إلى كلام معتدل بين الامرين ، متصرف بين المنزلتين . فمن شاء أن يتحقق هذا نظر في قصيدة امرئ القيس : * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *

--> ( 1 ) م : " سورة فائدة " ( 2 ) س : " التمنع "