محمد بن الطيب الباقلاني
35
إعجاز القرآن
كان يختلف إلى تعلم علم ، ويشتغل بملابسة أهل صنعة ، لم يخف على الناس أمره ، ولم يشتبه ( 1 ) عندهم مذهبه ، وقد كان يعرف فيهم من يحسن هذا العلم ، وإن كان نادرا ، وكذلك كان يعرف من يختلف إليه للتعلم ، وليس يخفى في العرف عالم كل صنعة ومتعلمها ، فلو كان منهم لم يخف أمره . والوجه الثالث : أنه بديع النظم ، عجيب التأليف ، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه . والذي أطلقه العلماء هو على هذه الجملة ، ونحن نفصل ذلك بعض التفصيل ، ونكشف الجملة التي أطلقوها . فالذي يشتمل عليه بديع نظمه ، المتضمن للإعجاز وجوه : منها ما يرجع إلى الجملة ، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه ، / وتباين ( 2 ) مذاهبه - خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم ، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم ، وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد . وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم ، تنقسم إلى أعاريض الشعر ، على اختلاف أنواعه ، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى ، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع ، ثم إلى معدل موزون غير مسجع ، ثم إلى ما يرسل إرسالا ، فتطلب فيه الإصابة والإفادة ، وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع ، ترتيب لطيف ، وإن لم يكن معتدلا في وزنه ، وذلك شبيه ( 3 ) بجملة الكلام الذي لا يتعمل [ فيه ] ، ولا يتصنع له . وقد علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه ، ومباين لهذه الطرق . ويبقى علينا أن نبين أنه ليس من باب السجع ، ولا فيه شئ منه ، وكذلك ليس من قبيل الشعر ، لان من الناس من زعم أنه كلام مسجع ، ومنهم من يدعى ( 4 ) فيه شعرا كثيرا . والكلام عليهم يذكر بعد هذا الموضع . فهذا إذا تأمله المتأمل تبين - بخروجه عن أصناف كلامهم ، وأساليب خطابهم - أنه خارج عن العادة ، وأنه معجز . وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن ، وتميز حاصل في جميعه . * * *
--> ( 1 ) س : " ولم يختلف " ( 2 ) س : " واختلاف " ( 3 ) م : " يشتبه " ( 4 ) س : " أن فيه "