محمد بن الطيب الباقلاني

27

إعجاز القرآن

إذ ليس في العادة مثل للقرآن يجوز أن ( 1 ) يعلم قدرة أحد من البلغاء عليه . فإذا لم يكن لذلك مثل في العادة - وعرف هذا الناظر جميع أساليب الكلام ، وأنواع الخطاب ، ووجد القرآن مباينا لها - علم خروجه عن العادة ، وجرى مجرى ما يعلم أن إخراج اليد البيضاء من الجيب خارج عن العادات ، فهو لا يجوزه من نفسه ، وكذلك لا يجوز وقوعه من غيره ، إلا على وجه نقض العادة ، بل يرى وقوعه / موقع المعجزة . وهذا وإن كان يفارق فلق البحر ، وإخراج اليد البيضاء ونحو ذلك من وجه ، فهو ( 2 ) أنه يستوي الناس في معرفة عجزهم عنه ، بكونه ( 3 ) ناقضا للعادة ، من غير تأمل شديد ، ولا نظر بعيد . فإن النظر في معرفة إعجاز القرآن يحتاج إلى تأمل ، ويفتقر إلى مراعاة مقدمات ، والكشف عن أمور نحن ذاكروها بعد هذا الموضع . فكل واحد منهما ( 4 ) يؤول إلى مثل حكم صاحبه ، في الجمع الذي قدمناه . . ومما يبين ما قلناه - : من أن البليغ المتناهي في وجوه الفصاحة يعرف إعجاز القرآن ، وتكون معرفته حجة عليه ، إذا تحدى إليه وعجز عن مثله ، وإن لم ينتظر وقوع التحدي في غيره ، وما لذي يصنع ذلك بالغير . - فهو ما روى في الحديث أن جبير بن مطعم ورد على النبي صلى الله عليه وسلم في معنى حليف له ، أراد أن يفاديه ، فدخل والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة ( والطور وكتاب مسطور ) في صلاة الفجر ، قال : فلما انتهى إلى قوله : ( إن عذاب ربك لواقع ، ما له من دافع ) ، قال : خشيت أن يدركني العذاب . فأسلم ( 5 ) . وفى حديث آخر ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع سورة ( طه ) فأسلم ( 6 ) . وقد روى أن قوله عز وجل في أول ( حم ) السجدة إلى قوله ( فأعرض أكثر هم فهم لا يسمعون ) ( 7 ) نزلت في شيبة وعتبة ابني ربيعة ، وأبى سفيان بن حرب ، وأبى جهل . وذكر أنهم بعثوا هم وغيرهم من وجوه قريش ، بعتبة بن ربيعة

--> ( 1 ) س : " للقرآن يجوز أو " . ( 2 ) س : " وهو أنه " . ( 3 ) س : " فكونه " . ( 4 ) س : " منها " . ( 5 ) راجع البخاري 7 / 249 ( من الفتح ) والإصابة 1 / 235 - 236 . ( 6 ) راجع الإصابة 4 / 280 . ( 7 ) سورة فصلت : 4 .