محمد بن الطيب الباقلاني

24

إعجاز القرآن

فلن يجوز - والحال هذه - أن يتغافلوا عن معارضته لو كانوا قادرين عليها تحداهم أو لم يتحدهم إليها . ولو كان هذا القبيل مما يقدر عليه البشر ، لوجب في ذلك أمر آخر ، وهو : أنه لو كان مقدورا للعباد لكان قد اتفق إلى وقت مبعثه من هذا لقبيل ما كان يمكنهم أن يعارضوه به ، وكانوا لا يفتقرون إلى تكلف وضعه ، وتعمل نظمه في الحال . / فلما لم نرهم احتجوا عليه بكلام سابق ، وخطبة متقدمة ورسالة سالفة ، ونظم بديع ، ولا عارضوه به فقالوا : هذا أفصح مما جئت به وأغرب منه أو هو مثله - علم أنه لم يكن إلى ذلك سبيل ، وأنه لم يوجد له نظير . ولو كان وجد له مثل لكان ينقل إلينا ، ولعرفناه ، كما نقل إلينا أشعار أهل الجاهلية ، وكلام الفصحاء والحكماء من العرب ، وأدى إلينا كلام الكهان وأهل الرجز والسجع والقصيد ، وغير ذلك من أنواع بلاغاتهم ، وصنوف فصاحاتهم . فإن قيل : الذي بنى عليه الامر في تثبيت معجزة القرآن : أنه وقع التحدي إلى الاتيان بمثله ، وأنهم عجزوا عنه بعد التحدي إليه ، فإذا نظر الناظر وعرف وجه النقل المتواتر في هذا الباب - وجب له العلم بأنهم كانوا عاجزين عنه . وما ذكرتم يوجب سقوط تأثير التحدي ، وأن ما أتى به قد عرف العجز عنه بكل حال . قيل : إنما احتيج إلى التحدي لإقامة الحجة ، وإظهار وجه البرهان [ على الكافة ] . لان المعجزة إذا ظهرت فإنما تكون حجة بأن يدعيها من ظهرت عليه ، ولا تظهر على مدع لها إلا وهي معلومة أنها من عند الله . فإذا كان يظهر وجه الاعجاز فيها للكافة بالتحدي وجب فيها التحدي . لأنه تزول بذلك الشبهة عن الكل ، وينكشف للجميع أن / العجز واقع في المعارضة . وإلا كان ( 1 ) مقتضى ما قدمناه من الفصل أن من كان يعرف وجوه الخطاب ، ويفتن في مصارف ( 2 ) الكلام ، وكان كاملا في فصاحته ، جامعا للمعرفة بوجوه الصناعة - لو أنه احتج عليه بالقرآن ، وقيل له ، إن الدلالة على النبوة والآية للرسالة ما تلوته ( 3 ) عليك منه ،

--> ( 1 ) س : " وإلا فإن " . ( 2 ) س : " ويتقن مصارف " . ( 3 ) س : " على الرسالة ما أتلوه " .