محمد بن الطيب الباقلاني

16

إعجاز القرآن

/ فصل في [ بيان وجه ] الدلالة على أن القرآن معجز قد ثبت بما بينا في الفصل الأول أن نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم مبنية على دلالة معجزة القرآن . فيجب أن نبين وجه الدلالة من ذلك : قد ذكر العلماء أن الأصل في هذا هو : أن يعلم أن القرآن ، الذي هو متلو محفوظ مرسوم في المصاحف ، هو الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه هو الذي تلاه على من في عصره ثلاثا وعشرين سنة . والطريق إلى معرفة ذلك هو النقل المتواتر ، الذي يقع عنده العلم الضروري به . وذلك أنه قام به في المواقف ، وكتب به إلى البلاد ، وتحمله عنه إليها من تابعه ، وأورده على غيره ممن لم يتابعه ، حتى ظهر فيهم الظهور الذي لا يشتبه على أحد ، ولا يخيل أنه قد خرج من أتى بقرآن يتلوه ، ويأخذه على غيره ، ويأخذه غيره على الناس ، حتى انتشر ذلك في أرض العرب كلها ، وتعدى إلى الملوك المصاقبة لهم ، كملك الروم والعجم والقبط والحبش ، وغيرهم من ملوك الأطراف . ولما ورد ذلك مضادا لأديان أهل ذلك العصر كلهم ، ومخالفا لوجوه اعتقاداتهم المختلفة في الكفر - وقف جميع أهل الخلاف على جملته ، ووقف جميع أهل دينه الذين أكرمهم الله بالايمان على جملته / وتفاصيله ، وتظاهر بينهم ، حتى حفظه الرجال ، وتنقلت به الرحال ، وتعلمه الكبير والصغير ، إذ كان عمدة دينهم ، وعلما عليه ، والمفروض تلاوته في صلواتهم ، والواجب استعماله في أحكامهم .