محمد بن الطيب الباقلاني
8
إعجاز القرآن
/ فصل في أن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم معجزتها القرآن الذي يوجب الاهتمام التام بمعرفة إعجاز القرآن ، أن بنوة نبينا عليه السلام بنيت ( 1 ) على هذه المعجزة ، وإن كان قد أيد بعد ذلك بمعجزات كثيرة . إلا أن تلك المعجزات قامت في أوقات خاصة ، وأحوال خاصة ، وعلى أشخاص خاصة . ونقل بعضها نقلا متواترا يقع به العلم وجودا . وبعضها مما نقل نقلا خاصا ، إلا أنه حكى بمشهد من الجمع العظيم وأنهم شاهدوه ، فلو كان الامر على خلاف ما حكى لا نكروه ، أو لا نكره بعضهم ، فحل محل المعنى الأول ، وإن لم يتواتر أصل النقل فيه . وبعضها مما نقل من جهة الآحاد ، وكان وقوعه بين يدي الآحاد . فأما دلالة القرآن فهي عن معجزة عامة ، عمت الثقلين ، وبقيت بقاء العصرين . ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد ، وإن كان قد يعلم بعجز أهل العصر الأول عن الاتيان / بمثله - وجه دلالته ، فيغني ذلك عن نظر مجدد في عجز أهل هذا العصر عن الاتيان ( 2 ) بمثله . وكذلك قد يغنى عجز أهل هذا العصر عن الاتيان بمثله ، عن النظر في حال أهل العصر الأول . وإنما ذكرنا هذا الفصل ، لما حكى عن " بعضهم " أنه زعم أنه وإن كان قد عجز عنه أهل العصر الأول فليس أهل هذا العصر بعاجزين عنه ، ويكفي عجز أهل العصر الأول في الدلالة ، لأنهم خصوا بالتحدي دون غيرهم ( 3 ) .
--> 1 ( 1 ) م : " أثبتت " ( 2 ) س : " أول العصر عن مثله " ( 3 ) ليس القرآن وإعجازه على ذلك ، فإن أهل العصر الأول لم يخصوا بالتحدي دون غيرهم ، وذلك لان القرآن معجزة باقية على الزمن ، فالتحدي باق معها على الزمن ، فهو تحد لأهل كل عصر كما كان لأهل العصر الأول ، وقد حبا الله هذا الرسول العربي الكريم بالرسالة " مؤيدا بدلالة على الأيام باقية ، وعلى الدهور والأزمان ثابتة ، وعلى ممر الشهور والسنين دائمة . يزداد ضياؤها على كر الدهور إشراقا ، وعلى مر الليالي والأيام ائتلاقا " كما قال الطبري في مقدمة تفسيره 1 / 3 . فالإعجاز فيها واقع في كل عصر . والتحدي بها لازم لأهل كل زمان