يوسف زيدان
96
رسالة الأعضاء
ولما بعدت المعدة عن الفم ، احتيج ضرورة إلى مجرى متسع لينفذ فيه الغذاء من الفم إلى المعدة ، وذلك هو : المريء . . وهذا المجرى لا يمكن أن يكون صلبا - كما في مجرى الهواء إلى القلب - لأن هذا يحتاج فيه إلى أن يكون بحيث ينقبض ، وينبسط ليجذب الغذاء ، وينقبض ليعصر الغذاء ، فيمكن نفوذه إلى المعدة ؛ إذ لا يكفى نقل الغذاء في ذلك . ولما كان هذا المنفذ ، يجب أن يكون لينا ، وجب أن يجعل وراء مجرى النّفس ؛ ليكون مجرى النّفس موقيا لأعلاه عن التضرّر بالمصادمات ؛ فوجب - ضرورة - أن يكون الغذاء عند مروره إليه من الفم ، يمرّ بمجرى النّفس . فوجب أن يجعل له غطاء من جسم ليس بغاية الصلابة ، فلا يحسّ سدّة الانقباض ، ولا بغاية اللين فلا يقوى سدده ؛ وذلك هو : الغضروف الملبى « 1 » . وجعل له أن يتحرك ، فيغطي مجرى النفس عند ازدراد اللقمة ، ويرتفع عنه في غير ذلك الوقت ؛ لينفتح فيدخله النّفس . ولما كانت المعدة كالكافلة للأعضاء كلها بالغذاء ، وجب أن يكون طلبها له بسهولة قوية جدّا ، فوجب أن يكون لها إحساس بالخلو عنه . . وذلك إنما يمكن بجرم عصبيّ بارد ؛ ويجب أن يكون طبخها قويّا ، ضرورة أنها كافلة لطبخ غذاء جميع الأعضاء . . وذلك إنما يكون بجرم لحميّ ، ليكون حارّا . فوجب أن تجعل من طبقتين : عصبية للحسّ ، ولحمية للطبخ . ويجب أن تكون العصبية داخلة واللحمية خارجة ؛ لأن الحاسّ يجب أن يلاقى المحسوس ، والطابخ يجب أن يلاقى المطبوخ . . ويجب أن يكون قعرها أكثر لحمية ؛ لأنه مستقر الغذاء حين ينطبخ ، وأن يكون فمها أكثر عصبية ؛ ليكون إدراكه بالخلو عن الغذاء قويّا . ولما كانت المعدة قوية الشهوة للغذاء ، فهي لا محالة تتقاضى « 2 » امتصاصه « 3 » إذا خلت منه ، لكن الإحساس بهذا الامتصاص والتقاضي ، ليس مما يحوج إلى تكلّف
--> ( 1 ) هكذا في الأصل . ( 2 ) غير واضحة في الأصل . ( 3 ) الكلمة في هامش الصفحة .