يوسف زيدان
83
رسالة الأعضاء
ولأن الدماغ معدّل لحرارة الروح وناريتها ، فيجب أن يكون باردا رطبا ، فيكون لينا لا محالة ، فيجب أن تحيط به أجسام صلبة تكنّه من الآفات ، وهي : عظام القحف . ويجب أن يكون بينهما حاجز ؛ لئلا يتأذى اللين بممارسة الصلب ، فإن الدماغ قد يرتفع إلى القحف - كما عند العطاس والصياح القوي - ويجب أن يكون هذا الحاجز متوسطا بينهما في الصلابة واللين ، ويجب أن يكون ما يلاقي منه العظام ، أصلب لا محالة مما يلاقي الدماغ . فلم يمكن أن يكون جسما واحدا ؛ لأن تفاوت سطحى الجسم الواحد في الصلابة واللين ، إنما يمكن إذا كان بذلك الجسم ثخن يعتدّ به ، وذلك مثقل للدماغ لا محالة . . فخلق ذلك الحاجز من غشاءين ، الأصلب منهما من جهة القحف ، واللين من جهة الدماغ ، ويسمى : الأم الرقيقة . ولما كان الدم الواصل إلى الدماغ ليغذوه ، لا يمكن أن ينصب إليه جملة ، وإلا خنقه ، فاحتيج إلى أن يكون في عروق صغار ، فيكون انفعاله أتم وأسهل . واحتيج إلى أن تكون لها تعاريج ؛ ليطول تردّد الدم فيها ، فينضج ، ويتشبه بجوهر الدماغ ، وذلك هو الشبكة . ثم لما كان العضو البارد الرطب مما تكثر فضوله لعلّة تحلّلها عنده ، وجب أن يكون له مدافع لفضوله ولعرقه ؛ ليقوم بعضها مقام البعض إذا عرض له سدّة من فضل غليظ أو غيره . وخصوصا والدماغ نفسه ، وأرواحه مما يتضرّر بالفضول جدّا ؛ لتكدر الروح